يُعد إتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي لعام 2026 نموذجاً للاتفاقات الدولية المركّبة التي تجمع بين الطابع السياسي والطابع القانوني، حيث يتضمن أحكاماً إنشائية (constitutive provisions) وأخرى تنفيذية (operational provisions) وأحكاماً معيارية تتعلق بالسيادة والأمن والدفاع. ويقتضي التحليل القانوني السليم، وفقاً لقواعد تفسير المعاهدات المنصوص عليها في المادة 31 من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، تفسير كل مادة وفقاً لظاهر نصها، في سياقها، وفي ضوء موضوع الاتفاق وغايته (1). وسبق للكاتب أن قدم للموضوع المذكور بقراءة قانونية نشرت بتاريخ سابق في "نداء الوطن" بعنوان "قراءة قانونية للإتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل الموقع في واشنطن 2026 (جزء أول)"، أما في القراءة الحاضرة فيعالج مضمون المواد 1 الى 3 مع التركيز على المادة الثالثة، على أن يستكمل تحليل المواد المتبقية اذا أمكن، في قراءات قانونية مستقبلية متتابعة. المادة 1: إنهاء النزاع والاعتراف المتبادل تنص المادة الأولى على اعتراف كل من لبنان وإسرائيل بحق الطرف الآخر في الوجود بسلام، والتزامهما بإنهاء حالة الصراع والانتقال نحو تسوية شاملة. وتكتسب هذه المادة أهمية تأسيسية لأنها تمثل تحولاً من حالة النزاع المسلح إلى حالة السعي القانوني لإنهاء حالة الحرب. إلا أن الصياغة لا تنشئ بحد ذاتها اعترافاً دبلوماسياً كاملاً، بل تقتصر على اعتراف وظيفي (functional recognition) مرتبط بهدف التسوية. ويُميز الفقه الدولي بين الاعتراف السياسي والاعتراف القانوني الكامل والاعتراف الوظيفي ضمن اتفاقات السلام المرحلية. ويذهب جايمس كراوفورد إلى أن الاعتراف في الاتفاقات الانتقالية لا يُفسَّر تلقائياً كاعتراف نهائي ما لم يقترن بإنشاء علاقات دبلوماسية كاملة (2). بكل الاحوال، لا يمكن قراءة هذه المادة كبند واحد، بل تتضمن ثلاث أبعاد قانونية تبدأ ببعد الاعتراف الذي لا يشكل اعترافاً دبلوماسياً تقليدياً، بل ما يُسمّى في الفقه بالاعتراف الوظيفي المرتبط بهدف محدد وهنا إنهاء النزاع ((Functional Recognition. ويؤكد كراوفورد أن الاعتراف الجزئي أو الوظيفي لا ينتج بذاته آثار الاعتراف الكامل ما لم يُقرن بإقامة علاقات دبلوماسية أو تبادل تمثيل رسمي(3). يتجلى البعد القانوني الثاني بإنهاء حالة النزاع (Termination of Conflict) فعبارة "إنهاء حالة الصراع" لا تعني قانونياً إنهاء حالة الحرب تلقائياً، لأنه في الفقه الدولي، هناك تمييز بين عبارات دقيقة باللغة الانكليزية كcessation of hostilities و termination of war و normalization of relations ، وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن إنهاء العمليات العدائية لا يعني بالضرورة إنهاء النزاع القانوني بين الدول (4). أخيرًا، يأتي البعد القانوني الثالث أي النية التعاقدية (Animus Contrahendi) وهو المعيار الحاسم فيما إذا كانت الأطراف تنوي إنشاء التزام قانوني ملزم. ووفق معيار أوست،إن العامل الحاسم ليس اسم الأداة ولكن النية في إنشاء التزامات قانونية(5)، وبالتالي فإن وجود صياغة إلزامية (shall\undertake) يجعل المادة أقرب إلى الالتزام القانوني منها إلى الإعلان السياسي. أما الإشكال القانوني الأساسي، فيتمثل في سؤال جوهري وهو هل يُنشئ الاعتراف المتبادل في إطار اتفاق إطاري أثراً قانونياً مستقلاً أم يبقى معلّقاً على الاتفاق النهائي؟ يميل التحليل الفقهي إلى أحد اتجاهين، فيرى الاول أن الاعتراف لا ينتج أثراً كاملاً إلا إذا اقترن بإجراءات دبلوماسية لاحقة، بينما يرى الثاني أن الاعتراف قد يكون تدريجياً ويبدأ ضمن اتفاق إطاري إذا تضمن التزاماً صريحاً بإنهاء حالة النزاع، فالمادة الأولى تُصنّف قانونياً كالتزام تدريجي بالاعتراف Obligation of progressive legal recognition، وليس اعترافاً نهائياً فورياً . المادة 2: التنفيذ المتدرج ونزع سلاح الجهات غير الحكومية تنص المادة على عملية متبادلة ومتدرجة (reciprocal and sequenced process) يتم بموجبها تمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته على كامل الأراضي وربط ذلك بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، كما إعادة انتشار القوات الإسرائيلية تدريجياً خارج لبنان. من هنا، تمثل هذه المادة جوهر الاتفاق من الناحية العملية، إذ تُدخل مبدأ الشرطية المتبادلة في التنفيذ. في القانون الدولي، يُعد هذا النوع من الالتزامات من فئة التزامات التنفيذ التدريجي obligations of progressive implementation وهي التزامات لا تُنفذ فوراً، بل تتطلب تحقق شروط مسبقة. كما أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح جهات غير حكومية يثير إشكالية قانونية تتعلق بمبدأ عدم جواز تحميل الدولة التزامات تتعلق بأفعال أطراف غير خاضعة لسيطرتها المطلقة. وقد أشارت محكمة العدل الدولية في قضايا متعددة إلى أن مسؤولية الدولة تُقاس بمدى سيطرتها الفعلية ول