حدث ما كان متوقعاً وهو استمرار المدرب الأسترالي غراهام آرنولد على رأس الجهاز الفني لمنتخب العراق لكرة القدم، ما يشكل بداية لرحلة مختلفة تماماً. الاتحاد العراقي عرض على المدرب الأسترالي عقداً لأربع سنوات، لكنه اختار الاستمرار حتى نهاية كأس آسيا 2027، في قرار يعكس طبيعة المرحلة أكثر مما يعكس رغبة في ضمان منصب طويل الأمد. آرنولد أنجز المهمة الأصعب بإعادة العراق إلى كأس العالم ، منقذاً صياماً دام أربعة عقود، لكن المونديال كشف في الوقت نفسه، أن التأهل ليس نهاية الطريق. ثلاث خسارات أمام السنغال وفرنسا والنرويج أظهرت الفارق الفني والبدني بين العراق ومنتخبات المستوى الأعلى، ولذلك لا يمكن بناء المرحلة المقبلة على المجموعة نفسها وبالأسلوب عينه. يدرك المدرب ذلك جيداً، ولهذا أعلن بداية عملية إعادة بناء. يقول: "عدت مبكراً من أجل متابعة واكتشاف لاعبين جدد، استعداداً لبطولتي الخليج وآسيا، والعمل على بناء المنتخب للمستقبل، وسترون وجوهاً جديدة خلال المرحلة المقبلة". ويسعى الأسترالي لتوسيع قاعدة المنتخب وخلق منافسة حقيقية على القميص الوطني. آرنولد عاد أيضاً إلى الدوري العراقي لمراقبة اللاعبين عن قرب، ووجه رسالة واضحة إلى الجميع: "من يرد التواجد في قائمة المنتخب فعليه أن يكون الأفضل دائماً". بهذا المعيار، لا يفترض أن يبقى مكان اللاعب مضموناً بسبب اسمه أو مشاركته السابقة في المونديال، بل بسبب مستواه وجاهزيته. لكن إعادة البناء لا تعني هدم المنتخب. التحدي الحقيقي يكمن في استبدال العناصر التي انتهت مرحلتها بلاعبين قادرين على الحفاظ على المستوى، وليس بمجرد أسماء أصغر سناً. العراق يحتاج إلى بدائل حقيقية في كل مركز، وإلى مجموعة أوسع تسمح للمدرب بالتعامل مع الإصابات والإيقافات وتراجع المستوى من دون أن يتراجع المنتخب معه. وهنا، يضع آرنولد جزءاً من المسؤولية خارج الجهاز الفني. فقد قال إن هناك أموراً لا يستطيع السيطرة عليها بالكامل، ولا سيما "اللياقة البدنية والتكنيك"، مؤكداً أن اللاعب مسؤول عن تجهيز نفسه، بينما يركز هو على الجانب التكتيكي. هذه الرسالة تعني أن مشروع المنتخب لا يمكن أن ينجح بالمدرب وحده؛ فالأندية والدوري وتطوير اللاعبين والاحتراف الخارجي كلها أجزاء من المعادلة. رفع آرنولد سقف الطموح إلى مستوى مختلف، معلناً: "العراق حالياً في المركز الثامن أو التاسع آسيوياً، وهدفي الارتقاء بالمنتخب ليصبح في المركز الثاني أو الثالث على مستوى آسيا، والتأهل مباشرة إلى كأس العالم". هذا الهدف لا يتعلق بالتصنيف وحده، بل بموقع العراق في كرة القدم الآسيوية. الانتقال من المركز الثامن أو التاسع إلى الصف الثالث يعني أن العراق يجب أن يتحول من منتخب قادر على تحقيق الإنجاز إلى منتخب قادر على تكراره ومنافسة الكبار بصورة منتظمة. ولهذا، ستكون كأس الخليج أول مختبر للمشروع الجديد. آرنولد يريد استخدامها لاكتشاف الوجوه الجديدة ورفع مستوى المنافسة داخل المنتخب، بينما ستكون كأس آسيا 2027 الاختبار الأهم لجودة ما تم بناؤه. هناك لن يكون التجديد وحده كافياً؛ المطلوب منتخب أكثر عمقاً، وأكثر جاهزية، وأقرب إلى مستوى كبار القارة. أما عقد آرنولد القصير، فيمنح هذه المرحلة معنى إضافياً. المدرب رفض أربعة أعوام، واختار محطة واضحة حتى كأس آسيا، وقال صراحة إن العقد الطويل قد يفقده الشغف بالوظيفة. وفي المقابل، وضع أهدافاً أكبر من مدة عقده: بناء منتخب جديد، الارتقاء بموقع العراق آسيوياً، والتأهل المباشر إلى المونديال المقبل. شكل المونديال الأميركي نقطة التحول لمشروع آرنولد مع العراق. لقد أثبت أن "أسود الرافدين" يستطيع بلوغ كأس العالم، والمرحلة المقبلة مطالبة بإثبات أن الوصول لم يكن حدثاً استثنائياً؛ النجاح الحقيقي سيكون في تحويل ذلك الإنجاز إلى استمرارية، وبناء منتخب لا يكتفي بالظهور بين الكبار، بل يملك القدرة على منافستهم.