تتفاعل داخل جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت أزمة هيكلية عميقة تعصف بجامعة المقاصد، على خلفية عدم تجديد عقد رئيس الجامعة السابق البروفيسور حسان غزيري وتعيين رئيس جديد هو الدكتور غدير العلايلي، وما رافق ذلك من اعتراضات واسعة داخل الهيئة العليا وأمناء الجامعة أسفرت عن استقالة عدد من أعضائها. وتؤكد مصادر مطلعة لـ«المدن» أن الخلاف أبعد ما يكون عن كونه مجرد اعتراض على شخص الرئيس الجديد، بقدر ما يتصل بالجوهر المؤسساتي، وبالطريقة الفوقية التي أُدير بها ملف رئاسة الجامعة، وبالدور المحوري الذي يفترض أن تؤديه الهيئة العليا في رسم السياسات واتخاذ القرارات الاستراتيجية المرتبطة بالصرح الأكاديمي. سنوات من البناء.. ومكافأة التهميش تأتي هذه التطورات الصادمة بعد مسار طويل وشاق من العمل المؤسساتي داخل الجامعة، شارك خلالها أعضاء الهيئة العليا وأمناؤها في صياغة الملفات الأكاديمية والإدارية والتطويرية، بما في ذلك إعداد الأنظمة الحديثة للجامعة ووضع مشاريع وخطط استراتيجية للمرحلة المقبلة. وبحسب مصادر معنية بالملف، فقد كان هناك توافق مسبق وتوجه صريح لدى أعضاء الهيئة لاستمرار رئيس الجامعة السابق البروفيسور حسان غزيري في مهمته لاستكمال مسيرة النهوض. لكن انتهاء عقده وعدم تجديده بالطرق المؤسساتية السليمة، ثم تعيين الرئيس الجديد الدكتور غدير العلايلي بمعزل عن الآليات المعتمدة، شكّلا نقطة تحوّل خطيرة في مسار العلاقة بين الهيئة وإدارة الجمعية. وتشير المصادر إلى أن الاعتراض لم يكن موجهاً لشخص بعينه، بل لغياب أي إشراك فعلي للهيئة في القرار، رغم ثقلها العلمي ومشاركتها المباشرة في كافة تفاصيل انطلاقة الجامعة. خلاف على دور الهيئة ومنظومة الصلاحيات تتركز الاعتراضات، بحسب المصادر، على طبيعة العلاقة الملتبسة بين الجمعية والجامعة، وعلى حدود صلاحيات الهيئة العليا التي نص عليها النظام الأساسي المودع لدى المديرية العامة للتعليم العالي. ويرى الأعضاء المعترضون أن الجامعة تحتاج حكماً إلى هامش واسع وواضح من الاستقلالية الأكاديمية والإدارية، وأن القرارات المرتبطة بمصيرها ينبغي أن تُدار حصراً عبر الآليات المؤسساتية والقانونية، لا بمنطق الإدارة الفردية التفصيلية (Micro-management). وتلفت المصادر إلى أن عمل أعضاء الهيئة لم يقتصر يوماً على اجتماعات بروتوكولية شكلية، بل امتد لانتزاع الموافقات الرسمية وإرساء البنى التحتية والتنظيمية. ومن هنا، جاءت الصدمة حين فجِئ الجميع باتخاذ قرار عدم التجديد من خارج الأطر التشاورية، وبمنأى عن أي نقاش جدي مع الهيئة التي تملك حق المبادرة والموافقة الصريحة. وتلخص إحدى المصادر المشهد بحرقة بالغة قائلة: «المسألة ليست مجرد تباين في وجهات النظر، بل هي تساؤل مشروع عن سبب غياب احترام الأطر المؤسساتية وقواعد العمل القانوني المنظم». من استقلالية الجامعة إلى أزمة الإدارة ويفتح هذا الصدام الباب عريضاً أمام تساؤلات جوهرية حول مفهوم استقلالية الجامعة وعلاقتها العضوية بالجمعية. فالتجربة أثبتت، وفق المصادر، أن محاولات ترسيخ بنية إدارية وأكاديمية مستقلة تتماشى مع المعايير الجامعية اصطدمت بنزعة مركزية تعيد طرح الأسئلة الصعبة حول احترام القوانين المرعية وتطبيقها. وتشدد المصادر على أن المواقف المُعلنة لا تحمل أي أبعاد شخصية تجاه رئاسة الجمعية أو الإدارة الجديدة، بل تنطلق حصراً من حرص مطلق على حماية العمل المؤسساتي وضمان عدم تحويل الجامعة إلى مساحة لتجاوز الأنظمة المرعية. استقالات متسارعة ورسالة داخلية وفي موازاة هذا المناخ المأزوم، وفشل التواصل مع رئيسة الجمعية ديانا طبارة للاستماع إلى ردّها أو توضيح موقفها. تقدم جميع أعضاء الهيئة العليا باستقالاتهم رسمياً، بينما تشير معلومات «المدن» إلى احتمال اتساع رقعة الاستقالات وتدحرجها في حال واصلت إدارة الجمعية تجاهلها للاعتراضات القائمة لتطال الجمعية ككل. وكان بعض أعضاء الهيئة قد وثقوا هذا الاعتراض في رسالة داخلية شديدة اللهجة وجّهوها إلى زملائهم، عكست حجم الاعتراض المكتوم إزاء مسار الأمور. ورغم أن الرسالة لم تكن معدّة للتداول الإعلامي واقتصرت على النقاش الداخلي الضيق، إلا أن تسريبها لـ "المدن" يعكس عمق الهوة الحاصلة داخل أروقة المؤسسة. ومع ذلك، تؤكد المصادر حرصها التام على عدم جرّ الصراع إلى ساحات قضائية أو شخصية، انطلاقاً من الوفاء لاسم المقاصد ورمزيتها التاريخية في وجدان بيروت، معتبرة أن أي تحرك علني يهدف حصراً إلى دق ناقوس الخطر وتصحيح المسار المؤسساتي. تضع هذه التطورات المتسارعة جمعية المقاصد وأمناء جامعتها أمام مجهول إداري يتجاوز أسماء الرؤساء وصراعات المواقع. فالمعركة اليوم هي معركة مفاهيم: ما هو الدور الفعلي للهيئة العليا؟ وما هي حدود صلاحيات الجمعية؟ وكيف يمكن حماية الاستقلال الأكاديمي للجام