يُعرض بعد أيام في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ67 كتاب الباحث والإعلامي السوري إبراهيم الجبين الجديد: "من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: لحظات سوريا الفارقة" الصادرعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان، حاملاً العنوان الفرعي "بين أبناء الأرض وأبناء السماء - في الدولة والتحولات"، في قراءة تتتبّع التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها سوريا على امتداد أكثر من قرن، من البدايات المبكرة لمشروع الدولة العربية الحديثة وصولاً إلى التحولات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد ودخول أحمد الشرع إلى دمشق، مقدّماً محاولة مبكرة في الزمن السوري الجديد لإعادة قراءة وكتابة التاريخ السوري المعاصر بعيداً عن السرديات الأيديولوجية والتحزّبات السياسية. يقع الكتاب في 448 صفحة، وينطلق من سبعة أسئلة رئيسية تتصل بالشرعية، والدولة، والحكم، والمركز والأطراف، والخارج، والقوة في علاقتها بالسياسة، والتحولات الفكرية، محاولاً قراءة التاريخ السوري من خلال اللحظات التي غيّرت مساره، لا عبر سرد تاريخي متصل للحكام والعهود. ويبدأ الجبين من دمشق أواخر العهد العثماني، ومن البيئة السياسية والفكرية التي خرج منها ما عُرف لاحقاً بـ"ميثاق دمشق"، بوصفه إحدى المحاولات المبكرة للانتقال من موقع الرعية في الإمبراطورية العثمانية إلى تصور مختلف للسياسة والسيادة والدولة. ومن هناك ينتقل الكتاب بين المحطات التي تشكّلت خلالها الدولة السورية وتبدلت تصورات السوريين عنها. ويضع الكتاب بين طرفي مساره صورتين لدمشق يفصل بينهما أكثر من قرن، دمشق التي دخلها الملك فيصل الأول، ودمشق التي دخلها أحمد الشرع، دون اعتماد خط تاريخي مباشر يصل بين التجربتين. وبين اللحظتين يتوقف عند قيام الدول وسقوطها، وولادة الجمهوريات والانقلابات العسكرية، وصدام المشاريع القومية والإسلامية واليسارية والوطنية، وصولاً إلى الصراع الطويل على معنى الدولة وحدود سلطتها وعلاقتها بالمجتمع. كما يتوقف الجبين عند ما يسميه "لحظات فارقة" صنعت مسار البلاد أو غيّرت اتجاهه، وأغلقت احتمالات وفتحت أخرى، كاشفة في كل مرة عن القوى العميقة التي حرّكت المجتمع والدولة. وعبر هذا المنظور يتناول تشكّل الحياة السياسية والبرلمانية السورية، وتجربة فيصل الأول ومراحل الانتداب والاستقلال والجمهوريات والانقلابات والوحدة والانفصال وحكم البعث ودولة حافظ الأسد وصولاً إلى ثورة 2011 والتحولات التي أعقبتها، وصعود القوى الإسلامية المسلحة، ثم المرحلة التي انتهت بسقوط النظام السابق ووصول أحمد الشرع إلى رأس السلطة في دمشق. ويتوقف الكتاب كذلك عند الاختبار الذي واجهه أحمد الشرع بعد انتقاله من قيادة فصيل مسلح إلى السياسة ورئاسة الدولة، سواء في إعادة بناء علاقات سوريا العربية، أو في الانفتاح على العالم وإعادة دمشق إلى دوائر الحضور الإقليمي والدولي. وفي مقابل هذا المسار الخارجي، يناقش التحديات الداخلية التي واجهت السلطة الجديدة في إعادة توحيد مؤسسات الدولة وبناء الجيش والأمن، والتعامل مع تعدد القوى المسلحة ومراكز النفوذ وملفات الشمال الشرقي والسويداء والساحل، فضلاً عن تحديات العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار والاقتصاد واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع السوري. ويضع الجبين هذه الملفات في سياق السؤال الأوسع الذي يشغل الكتاب: كيف تنتقل قوة خرجت من الحرب والثورة إلى سياق الدولة، وكيف تتغير أفكارها وأدواتها حين تصبح مسؤولة عن مجتمع شديد التنوع، وعن شبكة معقدة من المصالح والعلاقات الإقليمية والدولية؟ ويفرد الكتاب جانباً من اهتمامه لما يسميه الجبين “الشرع بين إسلامين” متناولاً تجربة التحول من المرجعية الإسلامية التي تشكّلت في سياق الجماعة المسلحة إلى إسلام يعمل داخل الدولة ومؤسساتها وتعدديتها الاجتماعية والسياسية. ويقرأ المؤلف في هذا السياق اختبار الشرع في الموازنة بين إرثه الفكري والتنظيمي ومتطلبات الحكم، وبين جمهوره الذي رافقه في مراحل الصراع ومجتمع سوري متنوع ينتظر من الدولة أن تتسع لجميع مواطنيها. من خلال تلك المحطات، يطرح الجبين سؤالاً يتجاوز الأشخاص الذين تعاقبوا على الحكم إلى العلاقة بين الحاكم والدولة والمجتمع: إلى أي حدّ يصنع الحاكم الدولة التي يريدها، وإلى أي حد تعيد الدولة، بتاريخها وجغرافيتها وتركيبتها الاجتماعية وتعقيداتها، تشكيل الحاكم نفسه؟ وهي الإشكالية التي تمثّل أحد الخيوط الناظمة للكتاب منذ تجربة فيصل الأول وحتى اللحظة السورية الراهنة، فيغدو الكتاب محاولة لنقد التاريخ وتحليله، لا مجرد استعراض لوقائعه، مستنداً في بحثه إلى طيف واسع من الوثائق والمذكرات والدراسات التاريخية والفكرية لسياسيين ومفكرين ومؤرخين وباحثين من اتجاهات مختلفة لرصد مفهوم الدولة والسلطة والسياسة من بينهم إدوارد سعيد وعزمي بشارة وحنا بطاطو ومحمد موفق الأرنأووط وم