توثيق التراث والدفاع عنه أصبحا من ضروريات الحرب 66% من المباني التاريخية تضررت في المرحلة الأولى من التوثيق أكثر ما بقي حاضرا في ذاكرتي مشهد التدمير الممنهج للمباني التاريخية عندما تصل نسبة تدمير المباني التاريخية إلى 90% تصبح القضية أكبر من مجرد دمار مادي الحرب لا تدمر الحجر فقط وإنما يمكن أن تقطع العلاقة بين الإنسان وأرضه التوثيق ونقل المعلومات إلى الأجيال المقبلة هما من أهم الوسائل لمحاربة عملية محو الآخر هناك صعوبة كبيرة في إعادة الإعمار بجنوب لبنان من بيروت ، حيث اختارت أن تبقى قريبة من الناس والذاكرة، وجدت جوان فرشخ بجالي نفسها أمام مهمة تتجاوز حدود العمل الثقافي التقليدي، مهمة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة لبنان ، وتوثيق ما تعرض له تراثه من دمار، حتى لا تختفي حكايات الأماكن مع اختفاء مبانيها. جوان فرشخ بجالي، مديرة جمعية "بلادي" اللبنانية المتخصصة في حماية التراث والتعريف به، عاشت الحرب من موقع مختلف، لم تنزح من منزلها، لكنها كانت محاطة بالنازحين الذين تركوا بيوتهم قسرا، وشهدت عن قرب كيف يمكن للحرب أن تغير حياة الإنسان وتدفعه إلى البحث عن معنى جديد للأرض والانتماء، ومع اتساع رقعة الدمار، لم يعد الحفاظ على التراث بالنسبة إليها ترفا ثقافيا، بل أصبح ضرورة لحماية ذاكرة الناس وهويتهم وصلتهم بالأماكن التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم. من هنا بدأت جمعية "بلادي" عملية واسعة لتوثيق المباني والمراكز التاريخية في عدد من قرى الجنوب اللبناني، مستعينة بطلاب ومتخصصين ومتطوعين، قبل أن تفرض الظروف الأمنية لاحقا طرقا أخرى لجمع المعلومات عبر التواصل مع الأهالي والصور والخرائط والوثائق. وفي هذا الحوار، تتحدث جوان بجالي عن تجربتها خلال الحرب، ومعنى أن يرى الإنسان المكان الذي يحمل ذاكرته يتحول إلى أنقاض، وتكشف تفاصيل عملية توثيق شملت نحو 400 مبنى تاريخي في عدد من قرى الجنوب، وما رصدته الجمعية من مستويات مرتفعة من الدمار، كما تتحدث عن الصعوبات التي واجهها فريقها، وأهمية التكنولوجيا في إعادة توثيق المواقع المهدمة، ودور الشباب في حماية الذاكرة الثقافية. وبين الخسارة والأمل، تؤكد أن التوثيق هو إحدى أهم أدوات الحفاظ على الذاكرة، ومعرفة ما كان موجودا، وتسجيله بالصور والخرائط والأرقام والوثائق، قد تكون الخطوة الأولى حتى لا يتحول تاريخ الأماكن التي دمرتها الحرب إلى مجرد حكايات بعيدة عن الحقيقة، وإلى نص الحوار.. جوان بجالى بداية.. كيف عشتِ الأيام الأولى للحرب؟ كنا جميعا نعيش أجواء الحرب ونشهد تداعياتها، لم نكن في الصف الأول من المواجهة، بل في الصفين الثاني والثالث، لكننا كنا محاطين بأعداد كبيرة من النازحين، وهم أهلنا من الجنوب أو من مناطق أخرى في بيروت، حاولنا خلال الحرب أن نساعد النازحين قدر الإمكان، خاصة في تأمين الاحتياجات الأساسية وضروريات الحياة، لأن الحرب شردت الناس إلى الطرقات بسرعة كبيرة، ولم تعد أبسط الاحتياجات الأساسية متوافرة لهم، لذلك، كان الهدف في المرحلة الأولى من الحرب هو أن نتكاتف ونتعاون فيما بيننا حتى نستطيع الصمود في مواجهة الحرب. ما الذي تركته من أثر على حياتك الشخصية والمهنية؟ على المستوى الشخصي والمهني، فقد غيرت الحرب كل شيء، كنا دائما نقول إننا مستعدون للحرب ومتهيئون لها، لكن الحقيقة أن أحدا لا يستطيع أن يستعد لأي نوع من الحروب، ولا سيما لهذه الحرب، أنا مواطنة لبنانية نشأت وترعرعت خلال الحرب الأهلية، وكانت طفولتي كلها مرتبطة بالحرب، لذلك كنا معتادين إلى حد ما على مفهوم الحرب، كما أنني عملت في السنوات السابقة في سوريا والعراق، وبالتالي فإن أجواء الحرب ليست غريبة عني. هل تعرضتِ مثل كثير من اللبنانيين لتجربة النزوح؟ كنا من المحظوظين الذين لم يضطروا إلى النزوح أو ترك منازلهم، أنا أعيش في بيروت، في منطقة الضاحية الشمالية، ولذلك لم نضطر إلى النزوح، لكننا كنا محاطين بأعداد كبيرة من النازحين، وكانوا أهلنا من الجنوب أو من مناطق أخرى في بيروت، ولذلك حاولنا خلال الحرب مساعدتهم في تأمين الاحتياجات الأساسية وضروريات الحياة. كيف أثرت هذه التجربة عليكِ هذه الحرب مختلفة عن الحروب السابقة، لأنها حملت، كما عشناها، إرادة وقدرة على محو الآخر، وهذا يغير كثيرا نظرة الإنسان إلى انتمائه للأرض وتعلقه بالوطن، في الحروب الأهلية، يكون واضحا أن الآخر قد يستهدفك أو يستهدف عائلتك، وهناك عامل القتل والعنف المرتفع والمؤثر جدا في حياة الإنسان، إضافة إلى القصف العشوائي والقتل الذي قد يحدث من دون سبب، لكن هذه الحرب كانت مختلفة في طبيعتها وإطارها، ومن خلال متابعة الأخبار وتطورات الأحداث، كان واضحا أن هناك محاولة لإزالة الآخر بشكل كامل. عندما يصبح الإنسان مهددا في حياته اليومية.. كيف يمكنه مواصلة الدفاع عن التراث والثقافة؟ منذ الأيام الأولى للحرب، ومع متابعة حجم الدمار