لا تقتصر خطورة الحملة التي استهدفت الناشطة الجنوبية عبير مروة، بعد استقبال رئيس الحكومة نواف سلام في النبطية، على حجم الشتائم والاتهامات التي طاولتها، بل تشمل المنطق الذي يحرك حملة تحاول تصوير الجنوبيين على أنهم من لون واحد، وعلى النقيض من الدولة، ولا يجيدون إلا كيل الاتهامات في حال خالفت الدولة مقارباتهم للأزمة. ومع أن الدولة بأركانها التنفيذية حضرت الى النبطية لإعادة تفعيل المؤسسات، بدليل وجود وزير المال ياسين جابر (ابن النبطية) ووزير الداخلية أحمد الحجار، وحضور النائب عن كتلة "التنمية والتحرير" هاني قبيسي، إلا أن الحملة على مروة وأشخاص آخرين يشاركونها الرأي، ترتقي إلى مستوى التشكيك في الوطنية. خلال استقبال سلام، عبّرت مروة عن موقف يطالب بوقف الحروب، واستعادة الأرض عبر التفاوض والانسحاب الإسرائيلي. يتقاطع الخطاب مع خطاب جميع الجنوبيين، الذين يطالبون بتحرير الأرض والعودة الى ديارهم، لكنهم يختلفون حول الأداة. فهي تطالب باستعادة الأرض بالمفاوضات، بينما يطالب جمهور "حزب الله" الدولة باحتضان المقاومة وتشريعها، وعدم التفاوض مباشرة مع إسرائيل، بل عبر وسيط ثالث. تعرضت مروة لحملة واسعة في مواقع التواصل، واتخذ بعض الهجوم طابع التشكيك في انتمائها وموقفها الوطني. وفي ردها على هذه الاتهامات، أشارت إلى أن شقيقها كان مقاتلاً في قوة الرضوان، ورفضت أن يكون اختلافها السياسي مدخلاً للتشكيك في وطنيتها أو في علاقتها ببيئتها الجنوبية. واللافت أن الهجوم لا يراعي مطالب المهاجمين أنفسهم، لجهة عودة الدولة، في وقت أكد سلام الأولويات المعلنة للحكومة اللبنانية، لجهة تفعيل مؤسسات الدولة وحضورها، بدءاً من النبطية، لكنه في العمق، يلامس خلافاً سياسياً أساسياً مع خطاب حزب الله بشأن المواجهة مع إسرائيل. يدفع الهجوم برسالة بأن الدولة خصم لأبناء الجنوب، وهو أمر غير صحيح، بالنظر الى أن ممثلي الثنائي جزء من الدولة.. كما أن المطالبة بمرجعيتها لا تعني التنكر لتاريخ المقاومة أو لتضحيات الذين واجهوا الاحتلال. والحال أن عبير مروة ليست مُطالَبة بتقديم شهادة في الوطنية، ولا تحتاج إلى إذن من أي جهة سياسية كي تعبّر عن رأيها في مستقبل الجنوب أو في الخيارات التي تحدد مصير أبنائه. عبّرت عن ذلك، عن حق، في بيان نشرته، وهي من منظورها، مارست وطنيتها، وعبرت عن رأيها واصطفافها، على قاعدة أن الوطنية لا تُقاس بمدى التطابق مع خطاب سياسي أو عسكري، ولا تُمنح لمن يرفع صوته في اتجاه واحد وتُسحب ممن يختار طريقاً مختلفاً. تلتقي مروة مع خصومها السياسيين، بالمطالب. طالبت بوقف الحرب، واستعادة الأرض، وحماية الناس، والاحتكام إلى الدولة ومؤسساتها. هل يمثل ذلك خروجاً على القضية الوطنية؟ بالتأكيد لا.. من حق أبناء النبطية والجنوب أن يسألوا عن كلفة الحروب، وعن جدوى الخيارات العسكرية، وعن مصير مدنهم وقراهم، وعن حقهم في العيش بأمان، من دون أن يتحول السؤال إلى جريمة سياسية أو أخلاقية. لكن ما حدث، هو صراع على السردية والخيارات. هالهم أن هناك من يطالب بالتحرير عبر السبل الدبلوماسية، بعدما عجزت الحرب عن حسم الملف واعادة الحقوق.. في وقت، لا يتردد جمهور الحزب نفسه في رفض الحرب والعيش بسلام. أبناء الجنوب، دفعوا أثماناً هائلة في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. جميعهم، على مختلف مشاربهم، أثقلتهم الحرب، وثمة نقاش جدي اليوم حول حق الناس في مساءلة القرارات، سواء القرار بالحرب أم التفاوض المباشر أم غير المباشر.. التضحيات لا تلغي هذا الحق، ولا تجعل من أي جهة سياسية وصياً أبدياً على إرادة المجتمع أو ممثلاً حصرياً له. تكشف حادثة مروة، توتراً في العلاقة بين "حزب الله" والبيئة الجنوبية، وترسم حدوداً للتعددية داخل مجتمع تتعدد فيه التجارب والخيارات والتطلعات. فليس من المنطقي اختزال الجنوبيين في موقف سياسي واحد، أو التعامل مع كل صوت معارض باعتباره صوتاً غريباً عن بيئته. ولا يجوز بأي حال من الأحوال اعتبار الجنوب كتلة سياسية واحدة، كما لا يجوز تصنيف أهله كجمهور لا يُسائل، ولا يعبّر عن حقه باعتناق الخيار الذي يناسبه. من هذه الوقائع، يصبح التضامن مع عبير مروة واجباً. حماية حقها في التعبير، لا تعني بالضرورة تبني موقفها السياسي الذي تتمايز فيه مع آخرين. من حقها أن تعبّر من دون أن تلقى أي تهديد أو تشهير أو حملات تحريض. هو تضامن مع جميع أصوات الجنوبيين بالتعبير، وباعتناق الخيار الذي يرونه مناسباً، وحماية لحقهم في مناقشة مستقبلهم بعيداً من الوصاية. التضحيات لا تبرر إسكات المتمايزين.