اللبناني الذي واجه الحرب كان يحمل فوق كتفيه أثقال أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة الثقافة تتضرر لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر ضرورة لابد من سياسة ثقافية تربط الثقافة بالتعليم والاقتصاد والإنماء النزوح ليس انتقالا جغرافيا فحسب بل اقتلاع للإنسان من تفاصيله الحرب تبدأ على الأرض لكنها لا تنتهي عندها يجب حماية الوعي اللبناني من محاولات الاحتلال الإدراكي أقول للبنانيين احفظوا وطنكم من احتلال الوعي كما تحفظون أرضه من الاحتلال الإبداع الذي يولد من الحرب جزء من أرشيف الذاكرة الوطنية الإنفاق على الثقافة ليس إنفاقا على الترف بل استثمار في الإنسان من يفقد ذاكرته يسهل أن تُكتب له رواية غير روايته نحن مختلفون ولكن اختلافنا لا يلغي وحدتنا في لبنان، لا تقاس الحروب بما تتركه خلفها من ركام ودمار فقط، فثمة خسائر أخرى لا تظهر في الصور ولا تسجلها أرقام الضحايا والنازحين، خسائر تمس الإنسان في ذاكرته وأمانه وأحلامه، وتترك ندوبا عميقة في الوعي الجمعي، بينما يبقى السؤال الأصعب: كيف عاش اللبنانيون الحرب؟ وكيف عاشها أولئك الذين كانت مهمتهم أن يحفظوا للإنسان صوته، وللذاكرة حكايتها، وللألم معنى يتجاوز لحظة وقوعه؟ من هنا تنطلق سلسلة الحوارات "من لبنان إلى الإنسانية"، التي تفتح صفحات من الذاكرة اللبنانية عبر شهادات عدد من الكتاب والروائيين والشعراء والمثقفين، ممن عاشوا الحرب وعايشوا تفاصيلها، واختبروا الخوف والنزوح والدمار، ورأوا بأعينهم حجم المآسي والآلام والمجازر التي تركتها في الإنسان والمكان. ليست هذه الحوارات بحثا في الحرب من زاوية عسكرية أو سياسية فحسب، وإنما محاولة للإنصات إلى الجانب الإنساني والثقافي منها، إلى ما يحدث للإنسان حين يفقد بيته، وللمدينة حين تفقد أبناءها، وللكاتب حين يجد نفسه أمام مشاهد أكبر من قدرة اللغة على الوصف، كما تحاول السلسلة أن تقترب من الدور الذي لعبه المثقفون والمبدعون في تسجيل تلك اللحظات، وتحويل التجربة الشخصية والجماعية إلى نصوص وشهادات وأعمال أدبية وفنية تحفظ ما قد يحاول الزمن طمسه. وفي هذا السياق، يأتي حوارنا مع الدكتور محمد مرتضى، وزير الثقافة اللبناني الأسبق، الذي يتحدث عن آثار الحرب على الإنسان اللبناني، وعن الذاكرة الوطنية والهوية الثقافية، وما أصاب الحياة الثقافية والمثقفين والكتاب والفنانين من تداعيات، كما يتناول مسؤولية الثقافة في مواجهة النسيان، وحماية التراث، وصون الوعي، ودور المثقف في مواجهة ما يصفه بـ"حرب الوعي" و"الاحتلال الإدراكي"، مؤكدا أن المعركة لا تدور على الأرض وحدها، وإنما تمتد إلى الطريقة التي يرى بها الإنسان وطنه وتاريخه ومستقبله. وفي حديثه، يتوقف مرتضى عند بيروت بوصفها نموذجا للتنوع الثقافي والفكري، وقدرة اللبنانيين على استعادة الحياة رغم قسوة الحرب، كما يضيء على الأدب والفن باعتبارهما شاهدين على التاريخ، وربما من أكثر الشهود قدرة على تسجيل الإنسان داخل الحدث، فالمؤرخ قد يوثق وقائع الحرب وأرقامها، لكن الرواية والقصيدة والأغنية واللوحة تستطيع أن تحفظ خوف طفل، وحنين نازح، ووجع أم، وذاكرة مدينة. وتسعى سلسلة "من لبنان إلى الإنسانية" إلى منح هذه الأصوات مساحة للحديث، لا باعتبارها شهادات على الماضي فقط، وإنما باعتبارها رسائل إلى المستقبل، رسائل تقول إن الحرب، مهما كان حجم الخراب الذي تخلفه، لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان حقه في الحلم والكتابة والإبداع، والثقافة قد تتحول في أكثر اللحظات قسوة إلى شكل من أشكال الصمود، ووسيلة لحماية الذاكرة والهوية والمعنى. ما يكتبه المثقفون اليوم عن الحرب لن يبقى مجرد نصوص مرتبطة بلحظة زمنية عابرة، بل قد يصبح جزءا من الذاكرة التي ستعود إليها أجيال لاحقة لتعرف كيف عاش اللبنانيون، وكيف قاوموا الخوف، وكيف حفظوا حكاياتهم، وكيف حاولوا أن يستعيدوا الإنسان من بين الركام، ومن لبنان الذي أنهكته الحروب، تأتي هذه الأصوات لتتحدث إلى الإنسانية كلها عن الألم، والذاكرة، والثقافة، والإنسان الذي، رغم كل شيء، يصر على أن يبقى حيا وقادرا على الكتابة، وإلى نص الحوار .. محمد مرتضى شهد لبنان حربا تركت آثارا إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة.. كيف تقرأ حجم المعاناة التي عاشها اللبنانيون؟ الحرب لا تقاس بعدد الأبنية التي هُدمت، ولا بحجم الخسائر المادية التي يمكن أن تُحصى بالأرقام، ثمة أوجاع لا تدخل في جدول، وبيوت لم يعد أهلها إليها، وأمهات تغير معنى الليل في عيونهن، وأطفال كبروا على صوت الخوف بدل أن يكبروا على صوت المدرسة، واللبناني الذي واجه الحرب كان يحمل فوق كتفيه أصلا أثقال أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، لذلك جاء العدوان ليضاعف الوجع، وليضع الإنسان أمام امتحان قاس: كيف يحافظ على كرامته وحياته الطبيعية فيما كل ما حوله يدفعه إلى الخوف واليأس؟ ومع ذلك، بقي اللبناني متمسكا بالحياة، وهذه ربما إحدى أ