"الهدف هو إرسال رسالة واضحة، للتأكيد على أننا لا نؤيد ولا نتغاضى، بأي شكل من الأشكال، عن إنشاء أو توليد النصوص بمساعدة الذكاء الاصطناعي". هكذا تختم أكاديمية "غونكور" بيانها بشأن استبعاد رواية "إما هذا أو الموت" للكاتب الكندي الهايتي تيليسون أوريليان من لائحتها الطويلة، وذلك على خلفية ترجيحات بأن أجزاء كبيرة من الرواية مولدة بالذكاء الاصطناعي. أعطى برنامج "بانغرام" نتيجة صادمة بأن 100% من الرواية لها سمة الكتابة الآلية. وبالاعتماد على برامج أخرى، تباينت النتائج ورجح بعضها التوليد البشري للنص، بينما أشار البعض الآخر إلى أن أكثر من 90% من الرواية مكتوب آلياً. والمدافعون عن أوريليان في الدوائر الثقافية الفرنسية يستبعدون فرضية التوليد الرقمي؛ وذلك بسبب جودة الرواية التي حققت نجاحاً كبيراً، نقدياً وجماهيرياً، عند إصدارها، ووصلت إلى لوائح جوائز كبرى. أما بالنسبة للمطلعين على المستويات المتدنية للنصوص الأدبية المولدة بالذكاء الاصطناعي، فلو نجح أوريليان فعلاً في توليد رواية بهذه الجودة عبر توظيف الآلة، فربما يستحق جائزتين، لا جائزة واحدة. التمحيص اللاحق في ماضي أوريليان قاد إلى اتهامات هامشية بالسطو الأدبي تعود إلى مرحلة مبكرة من نشاطه المهني؛ من بينها اقتباسات شبه حرفية من شاعر كوبي، في قصيدة من بين ديوانين صدرا للكاتب، ومئة كلمة منقولة نصّاً من كاتب آخر في قصة منشورة في العام 2012، وبضع مقالات لم يراعِ فيها النزاهة الأدبية، ومن بينها مقال نشر في العام 2013 احتوى ترجمة حرفية لمقاطع من مقال منشور في صحيفة فلبينية، وذلك دون إشارة إلى المصدر. تقف وراء تفجير الفضيحة مجموعة مجهولة الهوية تدير حساباً في "إكس"، وقد تأسست المجموعة للكشف عما تطلق عليه "غثاء الذكاء الاصطناعي"، أو كما يقول أحد أعضائها الذي كشف عن نفسه لاحقاً، الكاتب ورائد الأعمال صامويل فيتوسي: "معظم ما يقرأه الناس اليوم هو قص ولصق من تشات جي بي تي". لكن ثمة اتهامات مضادة طاولت فيتوسي، نسبت دوافعه لاستهداف أوريليان، أسود البشرة، إلى عنصرية بالأساس، لا سيما أن الرواية تتناول مسائل اللجوء والهجرة. ودأب فيتوسي، وهو أحد كتّاب الرأي في جريدة "لوفيغارو" الفرنسية، على نقد الصوابية السياسية وتيار "الووك". في كتاباته، يزعم فيتوسي أن النخب الثقافية المعاصرة تهبط بمعايير الجودة الفنية بذريعة "التنوع"، ولذا تروج لأعمال متواضعة لاعتبارات سياسية تتعلق بهوية أصحابها. وبحسبه، تصبح قيم مثل مناهضة العنصرية والشمول، بمثابة حصان طروادة، ونظراً لاستحالة معارضة مثل تلك القيم بشكل علني، فإن المؤسسات الثقافية تتبناها من دون تفكير، ثم يعاد تعريفها بحيث يتم التخلي عن مبدأ الجدارة لصالح آليات التمييز الإيجابي التي تحابي الأقليات، وهو ما يراه ضاراً بالإنتاج الثقافي. وبالأخذ في الاعتبار تلك الأفكار، تبدو رواية أوريليان هدفاً مثالياً لإثبات أن الأعمال الأدبية التقدمية التي تحظى بالنجاح هي أعمال مصطنعة وتفتقد للجوهر الحقيقي. اللافت أن فيتوسي، بالإضافة إلى نشاطه الكتابي، هو عضو شريك ومستثمر في صندوق الاستثمار الرأسمالي الفرنسي "فرست". والصندوق الذي يساهم بشكل رسمي في تمويل شركة "كوماند إيه آي" الفرنسية؛ وهي شركة ناشئة تعمل على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الأنظمة الدفاعية المتقدمة، لا سيما منظومات القيادة والسيطرة التي تعزز عمليات اتخاذ القرار وإطلاق النار في أرض المعركة. والمثير للسخرية أن فيتوسي، الذي يرى في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للكتابة جريمة أدبية تستحق الفضح، يجني الأرباح من الاستثمار في أنظمة رقمية تقوم بإطلاق النار على أناس من لحم ودم. في العموم، يبدو أن فيتوسي، الذي يحمل اسماً عائلياً يهودياً يعود إلى شمال أفريقيا (على الأرجح بلدة فيتوس البربرية في جبل نفوسة بليبيا)، لا يجد غضاضة في القتل الجماعي. فمنذ السابع من أكتوبر، اتخذ موقفاً داعماً للعمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل كامل ومطلق، يصفها بالحرب الشرعية، ويؤكد في الوقت نفسه أنه "لا إبادة جماعية في غزة". لا تقدم مفارقة فيتوسي نموذجاً آخراً لنفاق اليمين الغربي فحسب، بل لعلها تذكرنا مرة أخرى بأن وراء كل دفاع مبالغ فيه عن قداسة الأدب وإنسانيته، ثمة استباحة متوارية لحياة البشر الحقيقيين.