لم تعد المواجهة في جنوب لبنان تُقاس بعدد الدبابات التي تعبر الحدود أو بعدد الطلعات الجوية، بل بالطريقة التي يُعاد بها تركيب القوة نفسها. حين أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال أيال زامير، في أيلول 2026 من مقر الفرقة 91، أن التوجه العملياتي المقبل في مواجهة حزب الله يقوم على تطوير قدرات تكنولوجية جديدة وتوسيع الدمج بين القدرات المأهولة وغير المأهولة، كان يقرّ ضمناً بأن الميدان اللبناني فرض على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية معضلة لم تحلّها بعد: كيف تقاتل براً بكلفة بشرية محتملة أمام خصم منتشر، مموَّه، وسريع التكيّف؟ ولم تكن إشارته إلى عمليتي قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر عرضية، فهي تعني أن ما جرى هناك يُحوَّل اليوم إلى دروس مؤسسية تُبنى عليها الجولة المقبلة. من هنا تأتي أهمية العودة إلى دراسة العميد (احتياط) مئير فينكل الصادرة عن مركز دادو عام 2020، فهي تكشف الأساس الفكري الذي يقف خلف هذا التوجه. وقراءتها من موقع الطرف المستهدف لا تهدف إلى تبنّي منطقها، بل إلى فهم كيف يفكّر الخصم، وأين يعترف بثغراته، وعلى ماذا يراهن لتعويضها. فتتناول الدراسة مفهوم التفوق العسكري متعدد الأبعاد، وتسعى إلى إخراجه من النقاش المنعزل الذي يحصر كل سلاح في مجاله. وتقترح لذلك تمييزين: الأول بين التفوق العام الذي يُبنى مسبقاً في مرحلة بناء القوة، والتفوق الظرفي الذي يُنتج أثناء تشغيل القوة عبر المبادرة والخداع والتوقيت؛ والثاني بين التفوق التكنولوجي التكتيكي في المواجهة المباشرة بين المنصات، والتفوق المنظومي الذي يستهدف منظومة الخصم ككل. وتتناول الدراسة تاريخ الحروب الإسرائيلية من هذا المنظور، من حرب 1967 إلى حرب 1973 فاجتياح 1982، لتخلص إلى أن التفوق لم يكن دائماً ثمرة سلاح أفضل، وأن الجيوش العربية تمكنت بعد 1967 من تحييد جزء منه عبر بناء قوتها على الصواريخ المضادة للدروع والدفاع الجوي. وترى الدراسة أن حزب الله هو التهديد المرجعي الذي يجب أن يُقاس عليه أي تفوق، وأن نهجه غير المتماثل نجح في الالتفاف على مجالات القوة الإسرائيلية عبر مسارين: نيران تطال الجبهة الداخلية، وتأثير سياسي وإعلامي يحدّ من نتائج العمل العسكري. وتقرّ الدراسة بأن الجيش الإسرائيلي لم يمتلك في حرب 2006 تفوقاً برياً، لا تكتيكياً ولا منظومياً، وبأنه لم يستعده حتى تاريخ كتابتها، وأن أي توغل بري في لبنان سيكون باهظ الثمن. كما تعترف بأن مقاتل حزب الله بات يتمتع بكفاءة وخبرة قتالية تلغي الأفضلية البشرية التي اعتادها الجيش الإسرائيلي، وبأن حماية الدبابة الفردية بأنظمة مثل "معطف الريح" لا تعيد التفوق بسبب كلفتها مقارنة بكلفة الصاروخ المضاد. وترى الدراسة أن الحل لا يكمن في السعي إلى تفوق في كل المجالات، وهو هدف تصفه بغير الواقعي، بل في استثمار المجالات التي ما زالت "إسرائيل" تتقدم فيها، أي الجو والاستخبارات والسيبراني والطيف الترددي، وتحويلها إلى رافعة تمنح القوة البرية تفوقاً ظرفياً. أي معالجة منظومة التهديد قبل أن تصل إلى الجندي والدبابة، لا عند نقطة الاحتكاك. وتوصي الدراسة بتعزيز دور هيئة الأركان في توجيه بناء القوة، وكسر الثقافة القطاعية للأذرع، وتوقيت "سلسلة الضربات" بما يخدم المناورة البرية إلى أقصى حد. وتخلص الدراسة، في أهم دلالاتها، إلى أن وضع "إسرائيل" أمام حزب الله يشبه وضع الأميركيين أمام روسيا والصين: فقدان التفوق الشامل القائم على التكنولوجيا. وهذا ما يفسّر الاتجاه الحالي نحو دمج المسيّرات والروبوتات بالقوة البشرية؛ فهو محاولة لتعويض عجز بري معترف به، لا تعبير عن فائض قوة.