أقرّ مجلس الوزراء في جلسته يوم الخميس، تعديل بدل النقل اليومي للعاملين ليصبح على أساس ما يعادل خمسة ليترات من البنزين يومياً، ضمن سقف لا يتجاوز 800 ألف ليرة ولا يقل عن 500 ألف ليرة. كما وافق على فتح اعتماد إضافي بقيمة 1.4508 تريليون ليرة لدعم السائقين العموميين لمدة ثلاثة أشهر بسبب ارتفاع أسعار المحروقات. هذا التطور جاء في محاولة لإحتواء الشارع اللبناني الذي علت صرخته إعتراضا على الضغوط المعيشية التي يعيشها، جراء إزدياد معدلات التضخم والانكماش الاقتصادي، وإرتفاع أسعار المحروقات بسبب المواجهة الحاصلة، بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز وتأثيره على أسعار النفط عالميا. إذا ما قامت به الحكومة هو محاولة ترقيعية جديدة، لمحاصرة موجة جديدة من الضغوط الاجتماعية عبر زيادة بدل النقل ودعم السائقين العموميين. لكن خلف هذه القرارات سؤال مالي أكثر صعوبة: هل تستطيع الخزينة تحمّل هذه الالتزامات إذا طال أمد أزمة المحروقات؟ من البديهي القول أن ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان لم يعد مشكلة تخصّ السائقين وحدهم. فكل زيادة في سعر البنزين والمازوت تنتقل سريعاً إلى كلفة النقل والإنتاج والشحن، ومن ثم إلى أسعار السلع والخدمات. وللتذكير قبل قرارات جلسة الخميس، كانت وزارة المالية قد اتفقت على منح السائقين العموميين المستحقين 12 مليون ليرة شهرياً عن الفترة الممتدة من الأول من تشرين الأول حتى 31 كانون الأول 2026، مقابل الالتزام بالتعرفة الرسمية. لكن هل تستطيع الدولة فعلاً دفع هذه الأموال؟ بحسب الخبراء القدرة على الدفع اليوم ليست المشكلة، فمن الناحية الحسابية، لا يبدو أن تمويل دعم السائقين لمدة ثلاثة أشهر يمثل وحده التزاماً يستحيل على الدولة تدبيره. فالاعتماد الإضافي الذي أقرته الحكومة يبلغ نحو 1.45 تريليون ليرة، وهو مخصص لهذه الغاية ولمدة محددة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الدعم المؤقت إلى حاجة دائمة. فإذا بقيت أسعار المحروقات مرتفعة، أو ارتفعت أكثر، فسيعود السؤال نفسه إلى الطاولة مع نهاية كانون الأول:هل ينتهي الدعم، أم يتم تمديده؟وإذا تم تمديده، فهل يبقى على القيمة نفسها؟ أم ترتفع كلفته مع ارتفاع أسعار الوقود؟هنا تنتقل المسألة من معالجة استثنائية إلى التزام متكرر على الخزينة. ربط بدل النقل بسعر خمسة ليترات من البنزين يعكس محاولة لمواكبة الارتفاع في كلفة التنقل. لكن القرار يضع أيضاً سقفاً مالياً للبدل بين 500 ألف و800 ألف ليرة يومياً. وهذا يعني أن الدولة لا تتحمل تلقائياً كل زيادة مستقبلية في سعر البنزين، وإذا ارتفعت كلفة خمسة ليترات فوق سقف الـ800 ألف ليرة، فإن العامل سيتحمل الفارق، وبالتالي، فإن القرار يخفف الصدمة، لكنه لا يلغي أثر ارتفاع المحروقات على القدرة الشرائية. كما أن بدل النقل يعالج كلفة الوصول إلى العمل، لكنه لا يعالج ارتفاع كلفة الغذاء والكهرباء والدواء والخدمات وسائر النفقات التي تتأثر بالطاقة والنقل. الاقتصاد يتراجع والأسعار ترتفع تأتي هذه الإجراءات الحكومية في وقت يواجه فيه الاقتصاد اللبناني ضغوطاً استثنائية. فبحسب البنك الدولي، من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد اللبناني 6.4 بالمئة في عام 2026، بعد نمو بلغ نحو 4.2 بالمئة في 2025. ويربط البنك الدولي هذا التراجع بتجدد الصراع وما خلفه من أضرار، وتعطيل لسلاسل الإمداد وتراجع في السياحة والاستهلاك والاستثمار. وفي المقابل، يتوقع البنك الدولي إرتفاع التضخم إلى 17.5 بالمئة خلال 2026، نتيجة اضطرابات الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط. وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية الأهم: اقتصاد ينكمش، فيما الأسعار ترتفع، أي أن المواطن لا يواجه فقط اقتصاداً أقل نشاطاً، بل يواجه أيضاً ارتفاعاً مستمراً في كلفة المعيشة. فإرتفاع أسعار النفط عالميا لا يضرب البنزين وحده في لبنان ، بل يرفع كلفة النقل والاستيراد والإنتاج، والنتيجة يمكن أن تكون سلسلة متتابعة تبدأ بنفط أغلى يعني نقل وشحن وكلفة إنتاج واستيراد وأسعار سلع وخدمات أعلى، وبالتالي ضغط أكبر على الأجور ما يضعنا في حلقة مطالب جديدة بزيادة البدلات والدعم،وهكذا تجد الدولة نفسها أمام دائرة يصعب الخروج منها بمجرد زيادة بدل النقل. المالية العامة أمام اختبار جديد بحسب الخبراء ، حتى الآن، لا تعني هذه الإجراءات أن الدولة فقدت قدرتها على الدفع. بل على العكس، يشير البنك الدولي إلى أن المالية العامة سجلت تحسناً خلال 2025 والنصف الأول من 2026، مع تحقيق فائض إجمالي بلغ 3.9 بالمئة من الناتج المحلي في 2025. لكن البنك الدولي يحذر في الوقت نفسه من أن الضغوط على المالية العامة ستزداد خلال النصف الثاني من 2026، بسبب الاحتياجات المرتبطة بالحرب وإعادة الإعمار، والضغوط لزيادة أجور القطاع العام، إضافة إلى تباطؤ نمو الإيرادات. من هنا يمكن القول أن قدرة الدولة على تمويل إجراء مؤقت