كان جهاد، ابن السنوات الثلاث، يلعب بالمعجونة إلى جانب شقيقه علي، البالغ من العمر خمس سنوات، فيما كانت والدتهما تحمل اختهما فاطمة، الرضيعة ذات الأشهر السبعة، وترضعها. لم يكن في المشهد ما يوحي أن تلك اللحظات ستكون الأخيرة للعائلة. سمعت الأم صوت الصاروخ. ركضت نحو طفليها وضمتهما إليها. ثم وقعت الغارة. بعدها، استشهدت الأم ومعها جهاد وفاطمة، فيما بقي علي حياً، بعدما أمضى نحو 25 دقيقة تحت الركام. ينقل عباس زيعور، والد علي، لـ"المدن" ما رواه له ابنه عن تلك اللحظات الأخيرة للعائلة. أخبره علي أنه كان يلعب مع شقيقه حين وقع الانفجار، وإن والدتهما أسرعت إلى احتضانهما. ثم "عتّم البيت". قال له: "حسيت جسمي كهرب، وصرت أصرخ وما حدا يرد عليي". لم يكن زيعور موجوداً في البلدة لحظة الغارة. لذلك لم يرَ زوجته وأطفاله في لحظاتهم الأخيرة، ولم يكن بين الذين دخلوا تحت ركام المنزل بحثاً عنهم. ويقول لـ"المدن": "وصلني الخبر على دفعات". الخبر الأول كان أن عائلته تعرضت لغارة "غير عنيفة". ثم مرّت ساعتان قبل أن يعرف أن عائلته كلها فقدت.ثم جاء الخبر الذي حمل إليه شيئاً من الراحة وسط الفاجعة: "رجعت عرفت إنو علي عايش". أما زوجته وطفلاه، فعندما أخرجوا من تحت الركام، كانوا ما زالوا في حضن الأم. يقول عباس "استشهدوا بحضن والدتهم. عندما رفعوهم من تحت الركام، كانت والدتهم حاضنتهم". من بين ما يثقل زيعور في هذه الخسارة، أنه لم يكن حاضراً في اللحظة التي انتُشلت فيها عائلته من تحت الركام. لم يحمل جهاد. لم يحمل فاطمة. لم يرَ أطفاله بعد الغارة. يقول: "أكبر حسرة بقلبي أنني لم أستطع أن أراهم ولا أن أرفعهم من تحت الردم. لم أكن موجود، وفي اليوم الثاني دفنتهم". في اليوم التالي، دفن زوجته وطفليه. أما ابنه علي، الذي نجا من تحت الركام، فخرج من الموت إلى حياة مختلفة تماماً. حياة لم تعد فيها أمه، ولا شقيقه جهاد، ولا شقيقته الرضيعة فاطمة. بالنسبة إلى زيعور لم تكن نجاة علي مجرد نجاة طفل من الموت. كان ابنه الوحيد الذي بقي له. يقول: "لم يبقى من عائلتي سوى علي". ويضيف قائلا: "هذه الأشهر مرت بصعوبة كبيرة جداً، خاصة على ابني علي. نحاول أن نتعافى". يتحدث بغصّة عن حياته قبل الغارة. يقول: "أولادي كانوا حياتي". كان يرى "كل جمال الدنيا" فيهم. لم يكن يحتاج إلى شيء آخر كي يفرح. "ما كان عندي شي تاني إنبسط فيه إلا أولادي". اليوم، لم يبقَ له منهم سوى علي. ويردد: "فعلياً أنا حالياً عايش كرمال علي الذي بقيّ لي في هذه الدنيا". علي، الطفل الذي نجا من بين الركام، لكنه أيضاً الطفل الذي بقي يحمل في ذاكرته آخر صورة لأمه وشقيقيه. يريد له أن يكبر إلى جانبه، وأن يعلمه، وأن يعلم يوماً ما "من قتل إمه وذبح إخوته". "نحن عيلة، لدينا أسماؤنا وأحلامنا" يحمل الوالد غضباً كبيراً تجاه الإحتلال الإسرائيلي: "لا يشفي غليلي سوى زوال الكيان" يقول. يخشى أن تصبح أسماء الأطفال مجرد أرقام في حصيلة الحرب. يصرّ قائلاً: "نحن غاليين، ولسنا أشخاصاً سقطنا فقط، ولسنا أرقاماً. نحن عائلة لدينا أسامينا وأحلامنا". بالنسبة له جهاد لم يكن رقماً بين الأطفال الذين استشهدوا في الحرب. كان ابنه، الطفل الذي كان يلعب معه. وفاطمة لم تكن رقماً بين الضحايا. كانت رضيعة في الأشهر الأولى من عمرها، في حضن أمها، ينتظرها أن تكبر. وزوجته لم تكن اسماً في قائمة الشهداء. كانت المرأة المحضية، التي عندما سمعت صوت الصاروخ، لم تفكر إلا في طفليها، فركضت نحوهما وضمتهما. لكل منهما اسم ووجه وعمر وحياة كان يفترض أن تمتد. يحمّل زيعور العدو الإسرائيلي المسؤولية معتبراً أن بقاء عائلته في الجنوب كان تحدياً له، ويقول: "عائلتي قُتلت من دون أي ذنب. قتلت فقط لأن العدو مجرم". يحاول زيعور التعوّد على الحياة وأن يتعافى مع علي بعد مصابه. يتعلّم ويعلّم ابنه علي كيف يواصلان الحياة. ولسان حاله: "أولادي كانوا حياتي، واليوم، لم يبقَ لي من تلك الحياة سوى طفلي علي".