في 29 أيلول/سبتمبر، سلّمت السفارة الروسية في بلجيكا إلى الأمانة الدولية لحلف الناتو وثيقة غير رسمية (non-paper)، حذّرت فيها من أن موسكو مستعدة لاستخدام كامل ترسانتها، بما فيها الأسلحة النووية، للدفاع عن كالينينغراد. وفي اليوم عينه، أكد حلف الناتو أنه تسلم المذكرة "غير الرسمية" من السفارة الروسية. وكانت السفارة الروسية في بريطانيا قد نشرت في اليوم عينه بياناً، ردت فيه على تقارير بريطانية تناولت احتمال حصار كالينينغراد أو توجيه ضربة إليها. وقالت في بيانها إن أي عمل عسكري بريطاني أو من جانب الناتو ضد الأراضي الروسية سيُقابل باستخدام "جميع الوسائل المتاحة لروسيا، بما فيها الأسلحة النووية". وكالينينغراد هي كونيغسبرغ الألمانية سابقاً، عاصمة بروسيا الشرقية ومركزاً عسكرياً مهماً لألمانيا النازية على الجبهة الشرقية، قبل أن تستولي عليها القوات السوفياتية في نهاية الحرب العالمية الثانية وتضمها إلى الاتحاد السوفيتي. وحملت المدينة اسمها الحالي كالينينغراد، تيمناً بميخائيل كالينين، رئيس هيئة رئاسة مجلس السوفيات الأعلى للاتحاد السوفياتي آنذاك. وهي معزولة براً عن بقية الأراضي الروسية، ولا تتصل بها، عدا عن المواصلات الجوية والبحرية، إلا عبر خط للسكك الحديدية يمر عبر ليتوانيا. في اليوم التالي، أكد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته تسلم المذكرة الروسية، ورد عليها باقتضاب ووضوح. فقد أكد أن الناتو هو تحالف دفاعي، وأن على روسيا أن "توقف التهديد النووي"، معتبراً أن هذا التهديد "غير مبرر وغير مفيد". لكنه رفض روته تأكيد التفاصيل الدقيقة للوثيقة، قائلاً إن روسيا هي التي ينبغي أن تكشف مضمون الرسالة. وعندما سُئل عما إذا كان التهديد النووي يعني أن خطر استخدام السلاح النووي في دول البلطيق أصبح واقعياً، أجاب بالنفي، وقال إنه لا يأخذ التهديد الروسي على محمل الجد، مؤكداً أن روسيا لا تستطيع الانتصار في مواجهة مع الناتو، وأكد أن الحلف سيدافع عن كل شبر من أراضيه، وأنه لا يرى في الوقت الراهن تهديداً وشيكاً لأراضي الناتو، حسب موقع Euronews في 30 الماضي. في تعليقات المسؤولين الروس بشأن المذكرة، اللافت أن بوتين نفى أن تكون مذكرة الخارجية الروسية قد تضمنت ذكر السلاح النووي، وقال إنها تضمنت الحديث عن استعداد موسكو لاستخدام كل الوسائل المتوفرة لديها للدفاع عن منطقة كالينينغراد. وحسب تاس، أضاف أن "هذا ليس ترهيباً، بل هو ردّ على محاولات ترهيبنا". ونقلت وكالة إنترفاكس الروسية عن الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف قوله في 30 المنصرم إن التصريحات الروسية بشأن كالينينغراد جاءت لتذكير "الرؤوس الحامية" في أوروبا بالوثائق والمواقف الروسية ذات الصلة. وأضاف أن موسكو سمعت مراراً تصريحات "متهورة" من بولندا ودول أوروبية أخرى تتناول كالينينغراد، ولذلك كان من الطبيعي أن يذكّر الدبلوماسيون الروس بالموقف الروسي. وفي اليوم التالي، نقلت عنه الوكالة تشديده على أن الرسالة والتحذيرات الروسية لا ينبغي تفسيرها على أنها تصريحات تصادمية. وأضاف أن كالينينغراد جزء لا يتجزأ من روسيا، وأن موسكو ستضمن أمنها وفقاً للقانون الروسي. وربط التصعيد بما وصفه بـ"العسكرة السريعة" لأوروبا وبمشاركة دول أوروبية في الحرب الأوكرانية عبر السلاح والذخيرة والمدربين العسكريين. أما الخارجية، التي تولت سفاراتها في كل من بريطانيا وبلجيكا وأيرلندا إصدار بيانات بشأن المذكرة، فقد صرحت الناطقة باسمها ماريا زاخاروفا لصحيفة الأعمال الروسية الكبيرة Vedomosti في مطلع الشهر الحالي بالقول، إن تصريحات السفارات الروسية مرتبطة بـ"المناورات العدوانية للحلفاء في الناتو، التي تتضمن سيناريوهات هجومية ضد أراضينا، بما فيها حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد وعزل الموانئ الروسية في البلطيق". يتضح من تصريحات المسؤولين الروس أن موسكو تعتبر كالينينغراد جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الروسية، وأي محاولة لعزلها تعتبر مساساً بالأمن والسيادة الروسية. كما يتضح أن الكرملين يحاول تقديم التلويح بالنووي باعتباره ردعاً وتحذيراً، وليس إعلاناً عن النية بشن حرب نووية. كما يتضح أيضاً أن موسكو تبرر هذا التهديد بالعسكرة الأوروبية متصاعدة الوتيرة، ومناورات الناتو، والحرب الأوكرانية. تطلق روسيا تهديداتها النووية في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة والصين على إدارة المنافسة بينهما، والحؤول دون تحولها إلى صراع بين الطرفين. وأظهرت القمة التي عقدت منذ أيام بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم أن لا مكان لروسيا في هذه المنافسة الشرسة، وأن سعيها لتكون أحد أقطاب النظام العالمي متعدد الأقطاب الذي تسعى إليه يشبه الحلم في وضعها الراهن. فالحرب التي تخوضها ضد أوكرانيا للسنة الخامسة على التوالي تجبرها على إنفاق 2 روبل مقابل كل روبل تنفقه في مجال تطوير الصناعة والتقدم