امتلأ دنُّ العبارة السياسية، فاضت تكراراً آسناً. تُكَرِّرُ الأيام اللبنانية مشهدها، ويردِّد صدى التكرار قولٌ يخاطب الفراغ. واقع الحال، أن مدى صوت "المنادي"، مثلُ صرير قلمه، يتبدَّدُ في مساحة الوصف الفارغة، عندما لا يضيف لوناً جديداً إلى الموصوف. في الفراغ السياسي المقيم في لبنان، تتنامى عمليّة زحزحة حثيثة للأفراد، تدفع من كان خارج الاستقطاب، بقراره أو باختياره، نحو حالة غير "المنتمي"، وهذا ينتخب "الفرديّة" منزلاً يجمع فيه بين استقلاله وحريته، بعيداً من ضغط الجماعة، وفي منأى عن طقوس تجديد خطابها، وولائها الأهلي والطائفي والحزبي والمذهبي... طقوسٌ تتغذّى من الافتراق المقيم بين "الكتل السكانيّة"، وتُعيدُ إنتاجه مرَّاتٍ ومرّات، وفق نُسخ من سماتها العامة، السطحيَّةُ والابتذالُ والتفاهةُ والرّداءة. لكن، ماذا يعني اختيارك وضع الفردية غير المنتمية الآن في لبنان، اختياراً بعيداً من التعريف "الفلسفي"، وعلى اتصال بَيّن مع الواقع الاجتماعي والسياسي؟ أوّل ما يتبادر إلى صياغة الجواب، هو أن الفرديّة المنوّه عنها، لا تحيلُ إلى اللاموقف، ولا تفسّر بنفي الصفة أو التعريف عن صاحبها الفرد، بل تفسّر بما يمكن تسميته "انحياز اجتماعي" حرّ، إلى رؤى وآراء محدّدة، لا تجدُ في راهنها مجالاً لتقدّم ذاتها، إلى الكتل الأهلية، أو إلى الحزبيّات السياسية، لسبب جوهري واضح: هو أن أولئك، على ما يظهرون من تنافر، يعيدون لمَّ شَمْلِهم، ويتناصرون في مواجهة كل جديد. تحت عنوان "الانحياز الاجتماعي" يتبلور خطاب التطور المنشود، مثلما ينمو ويشبّ خطاب "البديل" المرغوب، لذلك تكون المسافة الفاصلة بين اللامنتمي وصفة المنحاز اجتماعيّاً مسافة مراكمة شاقّة وطويلة على مختلف الصعد، السياسية والاجتماعية. ليس سهلاً مثلاً، أن تكون كائناً غير طائفي، وفق جوهر المعنى، وأن تكون فرداً غير حزبيّ، وأن تكون خارج الاستقطاب الداخلي – الخارجي، الذي يدأب على ارتكاب فعلته اللبنانيون،... وسيكون مصدر صعوبة غير هيّنة، أن تكون "منفيّاً" من قبل جماعتك التي تنتمي إليها بالولادة، وأن تكون موضع تشكيك واتهامٍ، بسبب من تلك الولادة إيّاها. تلتقي في هذا المربع، فرديّتك اللامنتمية التي اخترتها، مع إفرادك القسري من قبل الجماعة المنتمية المختلفة، سياسة وولادة وقراءة، لماضي لبنان ولحاضره ولمستقبله. في إزاء الصعوبات، وفي مقام الجمع بين الفرديّة غير المنتمية وانحيازها، يقتضي الاهتمام بشرح الوضعية التي تقيم فيها هذه الفرديّة، هذه الأخيرة، ولأنها منحازة، فإنها منخرطة من موقعها، وحسب رؤيتها، في الشأن العام، قولاً ومساهمة عملية، هي جديّة وليست غير مبالية، وهي حرّة ومستقلّة، غير ملتحقة بتعريف تنظيم، وغير تابعة لحساب جماعة، بكلام آخر، لا تقف الفردية غير المنتمية في الوسط بين الأطراف، بل هي طرف مُعرَّفٌ بقول ومعروف بفعل، ومتحرِّك دليل حساباته التي تقود خطاه. في ترجمة ذلك، ومن قلب الواقع اللبناني، كثيرة هي العناوين التي أصيبت بالجمود، بسبب من تناظر أصحابها بالتكلّس، وبدافع من تشارك "أبطالها" بالنفاق السياسي، وبالانحطاط "الأخلاقي". سريعاً، وفي باب الأمثلة والقضايا المتداولة، خلافياً وتوافقيّاً وبين بين، نذكر الفساد والسيادة والمقاومة والعيش المشترك، والارتباط بالخارج، ووحدة اللبنانيين، وصون العيش المشترك... ما ذُكر، هو عُدّة شغل الساسة الأقطاب، وهو مادّة "المنافقة" الداخلية المشتركة، وهو "الآبدُ" المسيّجُ بترسانات كلّ المنحازين إلى الطائفية المذهبيّة ونهب مقدرات المواطنين، والاستقواء بأكثر من خارج، طلباً لديمومة حكمهم وتحكّمهم بمصير اللبنانيين. في سياق واقع الحال، ماذا عن الفرديّات غير المنتمية، إذا ما كانت خارج اللامبالاة، وإذا ما كانت فرديّتها تعتنق "مذهب" المسؤولية والموقف، وإذا كانت تقف خارج السلبيّة ولا يراودها سلوك الانسحاب، الجواب الفردي على ذلك، هو الرأي بأن الفرديّة تصير، والحال ما أشير إليه، جسراً تأسيسيّاً لحالة من الانتماء الجديد، انتماء غير معتزل، وفرديته لا تربطها بالمجموع علاقة انعزال، بل تشدها إلى هذا المجموع علاقة حريّة واستقلالية، أي علاقة هي بمثابة الباب "المنطقي" لإعادة تكوين المجموع، وإعادة تركيب ما يمكن تسميته مجازاً، مجمل "ثقافته" الوطنية والإنسانية. استطراداً يجب القول، إن الفردية غير المنتمية، التي ترفض القولبة، تظلّ منتمية إلى المجال العام، وإن خرجت على أحكامه، هكذا تستعيد هذه الفرديّة حقّها في اختيار موقعها ومواقفها، من السياسة والاجتماع، والثقافة، وعليه، تكون الفرديّة غير المنتمية، في موقع المخالفة الإيجابية المحمودة، أي في الموقع الذي يشكّل مدخلاً إلى إعادة إنتاج ومعاني مشتركة عديدة. إذن، من موقع المراقبة والمواكبة، ومن موقع الاشتغال على المواضيع والانشغال بها، تكون الفرديّة غير المنتمية في