للسنة الثالثة على التوالي، ما زال أنين أهالي مئة قرية جنوبية مستمرًا كجرح مفتوح، ومصيرهم ما زال مجهولًا. لن أكرر الحديث عن أن تلك قرى باتت مجروفة وممسوحة عن وجه الأرض، وعن اختفاء معالمها، من شوارع وحارات وأزقة، وأشجار، وبساتين، وحدائق ومدارس وملاعب، ولا عن أن بيوت سكانها مدمرة وسُوّيت بالأرض. كل ذلك بات معلومًا، وأصبح من البديهيات. يكفي سماع اسم قرية من تلك القرى حتى تدرك ما حلّ بها. لكن ما هو أفظع من ذلك، ومن كل هذه الكوارث التي حلّت بتلك القرى، أنين سكانها وأصحاب الأرض المحروقة، الهاربين من جحيم الحرب. فعيشهم اليومي في شتات نزوحهم وتشردهم جحيم آخر أشد قتلًا من قتل الاحتلال. وكأن النازح من هذه القرى يُقتل مرتين: مرة حين جُرفت قريته ومنزله، ومرة ثانية في نزوحه. هنا تُروى وتُعاش الحكايات ومأساة النزوح الذي حلّ على الغالبية العظمى من النازحين من غير الميسورين. حكايات يومية تُكتب وتُقال على لسان أفراد وعائلات. شهادات يومية مُعاشة. كيفما تنظر حولك تراها، أو ربما تعيش في وسطها أو بالقرب منك. حكاية عائلة باتت تتمنى الموت السريع والرحيم على الموت ببطء. ثلاثة أعوام بلا مأوى ولا عمل، خسرت كل شيء، وفازت بالقهر اليومي والذل والتفكير الدائم بسؤال: متى يكون الخلاص؟ وحكاية عائلة تنظر بمرارة كيف حُرم أولادها من العلم، والمأوى، والعيش الكريم مثل الآخرين. وعائلة أخرى لا تفكر إلا بسقف يأويها. تنظر إلى فصل الشتاء المقبل عليها وتسأل: كيف سيمر علينا الشتاء والبرد القارس؟ وعائلة أخرى لا تفكر إلا بأن كل يوم يمر عليها لا يحمل إلا المزيد من المرارة في أكباد أفرادها. وعائلة أخرى أيضًا وأيضًا، بات لسان حالها: لا نريد شيئًا منكم بعد اليوم، غير أن نعود إلى بيوتنا المدمرة، حتى لا نموت في منفانا ونصبح ودائع في بنوك أرض ليست لنا. فالفرد منا لا يُدفن مرتين، ويُؤبَّن مرتين، ويُكفَّن مرتين، ويُحزن مرتين في فتح الجرح في تابوتين. عائلات كثيرة سؤالها وجودي: من يعيلنا؟ ولسان حالها: في البدء قالوا لنا لا تخافوا، سنخدمكم بأشفار عيوننا، مهما تكن الصعوبات. لكن اليوم يقولون لنا: اذهبوا إلى الدولة وطالبوها. من القهر تتفشى الأمراض لتلازمهم، وتصبح ما يسمونها الأمراض المزمنة. وتبدأ هذه العائلات بالبحث عن وسيط للدخول إلى المستشفى أو للحصول على الدواء، مع كل ما يحمله الأمر من ذلّ وهوان. لا تبحثوا عن تلك العائلات المسحوقة بكل ما تعنيه الكلمة. فهي ليست بالعشرات أو المئات، بل بالآلاف. كيفما تنظر تجدها. ليست مخفية، بل ظاهرة للعيان وأمام الجميع، ولا سيما أمام من يطالبها بالصبر والتحمل، والعض على الجراح. حين تجد عائلة، على سبيل المثال، فقدت البيت وكل بيوت أقاربها ومحيطها، وفقدت رزقها ومدخراتها القديمة، وتقول علنًا: لا نملك غير فرشات الإسفنج، وخمسة كيلو من العدس والأرز والفول. فالحديث لا يكون عن عائلة معينة لها اسم، بل حال كل العائلات بات واحدًا. تكاد لا تعثر على عائلة واحدة لا تقول إنها لا تملك ثمن إيجار غرفة أو اشتراك كهرباء، أو جواز سفر أو بطاقة هوية؛ تركتها كلها في البيت المحروق المدمر. منذ ثلاثة أعوام لا تعيش تلك العائلات إلا على الوعود، ومن دون أن يتحقق أي واحد منها. وكلما خرج أنينها أو صوتها إلى العلن يقولون لها: اصبروا، اصبروا، فإن الله مع الصابرين. ما بين سبب الحرب ومن أشعلها، والنتيجة التي وصلت إليها، بات أنين الجنوبيين قاتلًا. فهؤلاء الجنوبيون يبحثون عن مأوى، عن مدرسة، عن كتاب مدرسي، عن ملبس دافئ في البرد القارس، عن موت لائق بالحد الأدنى بدلًا من الحد الأدنى من العيش الكريم. وهم متروكون لمصير مجهول، وينتظرون طلة إعلامية من هنا أو تصريحًا من هناك، ولا يأتيهم إلا الوعد بالأمة الصابرة ونصرة العقيدة، وقدسية المعركة وظهور قائد الأمة. ها هو الجنوبي، رغم النكبة، لا يبحث إلا عن وطن ولا يطلب إلا أمنه وسلامته في دولة تُصان فيها الكرامة والسلام والطمأنينة. فهل سيتحقق له ذلك في المدى المنظور؟ أم أن ما هو مقبل أعظم، وستترحم الناس على الأيام السوداء الحالية؟ ألا يعني التعنت، والمكابرة المتجددة، والهلوسات السياسية، التي لا يتبناها أي عاقل، استمرار المأساة؟ ألا يعني ذلك أننا أمام من يعتقد نفسه بحضرة خشبة مسرح ويقول لنا تعالوا لننضم جميعًا إلى المجزرة التي تفتك بنا؟