حين تتردد سفينة في عبور مضيق هرمز، أو تغير أخرى مسارها بعيدا عن باب المندب، لا يتأخر أثر القرار في الوصول إلى الموانئ والأسواق. فقد ترفع المخاطر كلفة التأمين والشحن حتى قبل أن يغلق ممر أو تصاب سفينة. وفي زمن الحرب الأميركية الإيرانية وتصاعد تهديد الملاحة في البحر الأحمر، يبدو الصراع على المضيقين أزمة معاصرة. لكن تاريخه يروي قصة أطول، قوى تأتي بأساطيلها لفرض النفوذ، وقوى محلية تملك ما يكفي لتقييد ذلك النفوذ أو تقويضه. يصل مضيق هرمز الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، فيما يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن. وبينهما تمر طرق حيوية لنقل الطاقة والسلع. لهذا ظلت الموانئ القريبة، وقواعد المرور والتجارة فيها، مطمعاً لقوى استعمارية متعاقبة. غير أن تاريخ هذه المياه يكشف فارقاً بين القدرة على إظهار القوة فيها والقدرة على الاحتفاظ بالنفوذ. عام 1405، انطلق القائد الصيني المسلم "تشنغ هي" في أولى رحلاته السبع بأساطيل أسرة مينغ. وصل إلى هرمز في رحلته الرابعة بين عامي 1413 و1415، ثم إلى عدن في رحلة لاحقة. كانت سفنه محملة بالبضائع والهدايا، وعلى متنها مبعوثون وجنود، فالتجارة والدبلوماسية واستعراض القوة تحركت معاً. لكن تشنغ هي لم يدخل بحراً خالياً. سبقه إليه تجار عرب وفرس وهنود وشرق أفريقيين أقاموا شبكات تبادل واسعة. وسعت الصين إلى مكانة داخل هذا العالم من دون أن تحتل هرمز أو عدن. وحين تبدلت أولويات بلاط مينغ، توقفت الرحلات بعد الحملة الأخيرة عام1433 ، فقد أثقلت كلفتها الدولة، فيما استدعت الحدود الشمالية للصين اهتمامها. البرتغال... تصريح مرور تسنده المدافع بعد قرن تقريباً، جاء البرتغاليون بأسلوب أشد قوة. حاول أفونسو دي ألبوكيركي اقتحام عدن عام 1513 للاقتراب من مدخل البحر الأحمر، وفشل. لكنه سيطر على جزيرة هرمز عام 1515، فصار للبرتغال موطئ قدم عند مدخل الخليج. واستخدم البرتغاليون نظام "الكارتاز"، وهو تصريح ملاحة فرضوه بقوة سفنهم على التجار في أنحاء من المحيط الهندي. صارت لهم قدرة على وضع شروط للعبور والتجارة، وإن ظلت الموانئ والأسواق معتمدة على التجار والحكام المحليين. ولم تدم قبضتهم على هرمز، ففي عام 1622، ساعدت سفن شركة الهند الشرقية الإنجليزية القوات الصفوية على انتزاعها. أسقط تحالف محلي وبحري نفوذاً ظن أصحابه أن المدافع كافية لحمايته. البن والفحم... نفوذ يتغير بتغير التجارة في القرن السابع عشر، دخل الهولنديون سوق المخا اليمنية، حيث جعل البن من المدينة محطة مهمة على طريق البحر الأحمر. لكنهم لم يكتفوا بشرائه ونقله، فقد نقلت شركتهم زراعته لاحقاً إلى جزيرة جاوة الإندونيسية. ومع نمو إنتاج الجزيرة، تراجع اعتماد الأسواق على البن اليمني. فقدت المخا بعض قوتها التجارية لأن محصولاً كان يمر عبرها صار ينتج في مكان آخر. وهكذا غير مصدر سلعة ميزان النفوذ البحري من دون احتلال مضيق. أما البريطانيون فاستولوا على عدن عام 1839، وحولوها إلى محطة لتموين السفن البخارية وموقعاً يحمي الطريق إلى الهند. وبعد افتتاح قناة السويس عام 1869، ازدادت قيمة هذا الطريق، ثم اشترت بريطانيا حصة مصر في شركة القناة عام 1875 واحتلت مصر عام 1882. امتزجت السفن بالفحم والمال والمعاهدات، لكن بريطانيا غادرت عدن في نهاية المطاف عام 1967. بعد الحرب العالمية الثانية، اتسع الحضور العسكري الأميركي في المنطقة. واليوم تظهر الصواريخ والألغام والطائرات المسيّرة أن رفع مخاطر العبور وكلفة التأمين لا يحتاج إلى أسطول حاملات طائرات. وقد سيطر الحوثيون على المخا في أيلول/سبتمبر 2026، بينما بقي المرور عبر هرمز موضع صراع وتفاوض بين واشنطن وطهران. ما تغير عبر القرون هو كلفة فرض النفوذ، احتاجت الإمبراطوريات إلى أساطيل وموانئ لإدارة المرور، بينما تستطيع جماعات مسلحة اليوم التأثير فيه بمجرد جعل الرحلة أكثر خطراً وكلفة. من أساطيل تشنغ هي إلى سفن البرتغال وبريطانيا، تغيرت رايات القوى البحرية وأساليبها، لكن أيا منها لم يحتفظ بنفوذه إلى الأبد. لإنها مؤقتة وزائلة، عابرة كالأمواج التي تحملها.