ويأمل كثيرون أن تفضي الانتخابات المقبلة إلى حكومة إسرائيلية تدرك أن استمرار منطق القوة والاحتلال لن يقود إلى الأمن، وأن الطريق الواقعي يكمن في احترام سيادة لبنان والبحث عن تسوية تضع حدًا للاعتداءات والتوتر على الحدود. غير أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تبدو مستعدة لهذا المسار، بل تواصل تبنّي مقاربة عسكرية تقوم على فرض الوقائع بالقوة ورفض أي شراكة حقيقية مع الجانب اللبناني. ورغم المساعي الأميركية لإرساء وقف لإطلاق النار وفتح مسار دبلوماسي، فإن الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، فيما لا تزال المحادثات المباشرة التي كان يفترض أن تُعقد برعاية أميركية مؤجلة. ومع انشغال واشنطن بملفات إقليمية ودولية متعددة، تبدو قدرتها على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل محدودة، بما يسمح باستمرار التصعيد بدل دفع الأطراف نحو معالجة جذور الأزمة. وتحاول إسرائيل تقديم حملتها العسكرية ضد "حزب الله" باعتبارها ضرورة أمنية، لكنها في الواقع تواصل اعتماد القوة الأحادية لتثبيت واقع جديد في جنوب لبنان، من دون أن تبدي استعدادًا جديًا لمعالجة الأسباب التي أبقت حالة التوتر قائمة. وفي هذا السياق، أدت العمليات العسكرية إلى دمار واسع في عشرات القرى الجنوبية، ومنعت آلاف اللبنانيين من العودة إلى منازلهم داخل المنطقة التي تفرض إسرائيل وجودها العسكري فيها، فيما تربط إنهاء احتلالها بنزع سلاح "حزب الله" على مستوى لبنان، في موقف يضع السيادة اللبنانية أمام اختبار مباشر. ويزيد من خطورة هذا المسار طرح أصوات داخل الحكومة الإسرائيلية، وبينها الوزير بتسلئيل سموتريتش، أفكارًا تتعلق بضم أراضٍ لبنانية. في المقابل، يطرح لبنان مسارًا أمنيًا ودبلوماسيًا يقوم على إنهاء حالة العداء الرسمي، واستعادة الاستقرار على الحدود، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. كما يرى في الآليات التي طرحتها الولايات المتحدة فرصة لإعادة تثبيت الهدوء وتمكين سكان المناطق الحدودية من العودة إلى حياتهم الطبيعية، بما قد يفتح لاحقًا الباب أمام مسار سياسي أوسع إذا سمحت الظروف الإقليمية بذلك. لكن الحكومة الإسرائيلية الحالية تبدو أسيرة هواجسها الأمنية وخياراتها العسكرية، إذ لا تزال تنظر إلى أي قدرة دفاعية لبنانية، ولا سيما قوة "حزب الله"، باعتبارها تهديدًا ينبغي التعامل معه بالقوة بدل البحث عن تفاهمات تضمن أمن الحدود وتحترم سيادة لبنان. وقد عززت تداعيات حرب السابع من أكتوبر هذا النهج، مع تنامي الاعتماد الإسرائيلي على العمليات العسكرية الأحادية في مواجهة القوى التي تعتبرها معادية. وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتداخل هذا الخيار العسكري مع الحسابات السياسية الداخلية، إذ يسعى بنيامين نتنياهو إلى تكريس صورته بوصفه رجل الأمن القادر على مواجهة التهديدات الإقليمية. وبينما تُقدَّم هذه السياسة باعتبارها حماية لإسرائيل، فإن استمرار الاحتلال والضربات والتهديد بضم الأراضي اللبنانية يطرح في المقابل سؤالًا أساسيًا حول ما إذا كان هذا النهج يفتح الطريق فعلًا أمام الاستقرار، أم أنه يعيد إنتاج أسباب المواجهة ويمنح المقاومة مزيدًا من المبررات للاستمرار في الدفاع عن لبنان وسيادته.