تقاطعت المشاهد الميدانية والسياسية في النبطية اليوم لتختصر جرح الجنوب وعمق المأزق اللبناني. فرئيس الحكومة نواف سلام، الذي زار المدينة للمرة الثالثة منذ تأليف الحكومة، حمل رسالة وجود وأمل. وقال بوضوح: "الدولة خيار الإنقاذ الوحيد"، وأكد أن التعافي انطلق، وأطلق عشرات المناقصات الإعمارية. واستقبله الأهالي بالصرخة والدمعة: "صار عنا كربلاء.. بدنا نفتح صفحة جديدة.. نحنا معك لآخر نفس". تلك الصرخة كانت تبحث عن سقف يحمي. وعلى موجة الصمود ذاتها، خاطب الرئيس جوزاف عون الجنوبيين بالقول: "أبناء الحدود هم حراس الأرض.. والدولة سندكم وسوف تحميكم". لكنّ الوقائع على الأرض والخيارات السياسية تبدو أشد تعقيداً بكثير من صرخات الأمل. وبينما كان رئيس الحكومة يعلن ثوابت بيروت بـ"دولة واحدة، جيش واحد، وقرار واحد للحرب والسلم"، جاء تحذير رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط: "دخلنا في حلقة التفاوض من أجل التفاوض.. وفي كل جلسة سيتلقى الوفد اللبناني مطالب جديدة". ونصح جنبلاط بالاستفادة من "مسار أوسلو". وتقرأ تغريدة جنبلاط واقع استحقاق تامبا المرتقب في 20 تشرين الأول. فواشنطن تضغط للجلوس إلى الطاولة. لكن إسرائيل تجلس شكلياً، لتحقيق مكاسب. وفي كل جولة، تكرر إسرائيل وواشنطن الشرط الملزم: نزع السلاح أولاً مقابل بحث الانسحاب. أمام هذا الضغط الأميركي، يطرح السؤال المباشر: هل يملك لبنان الرسمي هامش القول: "لا" للذهاب إلى مفاوضات تامبا؟ الجواب العملي: لا. فمقاطعة المفاوضات تعني إعفاء إسرائيل من أي ضغط دولي، مقابل إظهار بيروت طرفاً معطلاً ومقصراً في التزام اتفاق الإطار. ولذلك، الذهاب إلى التفاوض مستوجَب، لكن الذهاب بلا أوراق قوة يهدد بالوقوع في شباك الشروط الإسرائيلية. وهنا يتكشف المخرج الوحيد المتبقي للبنان، وهو أن الحل ليس في واشنطن ولا في تامبا، بل في بيروت. فالسلطة الرسمية تعرف حدود قدرتها الميدانية. وحزب الله يعرف انسداد أفق الرهان على تسوية إقليمية سريعة. والقول "لا" للشروط الإسرائيلية يتطلب جبهة داخلية متماسكة، ومخرجاً لبنانياً-لبنانياً يتفق فيه الجميع على إدارة ملف السلاح وصياغة موقف موحد في المفاوضات. وفي أي حال، أثبتت زيارة سلام للنبطية أن الشعب في الجنوب يريد الدولة، وأن الدولة تريد تحمّل مسؤوليتها، لكنها لا تستطيع خوض معركة التفاوض بشرخ داخلي. والرد اللبناني على إسرائيل لا يكون بالهروب من المفاوضات، بل باتفاق اللبنانيين على موقف موحد، يمنح الوفد التفاوضي قوة القول في آن معاً: "لا" لابتزاز إسرائيل، و"نعم" لسيادة الدولة على أرضها بالكامل. سلام في النبطية: الدولة والتعافي بدأ سلام جولته من مجمع قوى الأمن الداخلي في كفرجوز، يرافقه وزير الداخلية أحمد الحجار وعدد من القادة الأمنيين، حيث حيا العناصر على جهودهم، مؤكداً أن الدولة تقف إلى جانب المؤسسات الأمنية وأن "أساس عودة الجنوبيين هو الأمن والأمان في الجنوب". ومن هناك، انتقل إلى سراي النبطية، في زيارة هي الثالثة له إلى المدينة منذ تأليف حكومته، مشدداً على أن التزام الحكومة تجاه أهل الجنوب والنبطية "لم ولن يتغير". وذكّر بأن زيارته الأولى جاءت بعد نيل الحكومة الثقة للاستماع مباشرة إلى حاجات الأهالي، قبل أن يعود لاحقاً للإعلان عن بدء مسار التعافي وإعادة الإعمار. وأعلن سلام إطلاق 23 مناقصة عبر مجلس الإنماء والإعمار تشمل قضاء النبطية، وتتوزع بين ترميم الطرق وإزالة العوائق وإعادة تأهيل مراكز الإيواء، إلى جانب تأمين سيارات إسعاف وتجهيزات طبية وأجهزة اتصالات لاسلكية وعبر الأقمار الاصطناعية. وترافق ذلك مع إعادة افتتاح عدد من المرافق الرسمية في المدينة، بينها سراي النبطية الحكومي ومركز أمن الدولة ودائرة النفوس ومركز الأمن العام، فيما أعلن أن قصر العدل سيعاد افتتاحه قريباً، في خطوة أراد منها تأكيد عودة مؤسسات الدولة إلى العمل في المدينة. وأكد سلام أن حاجات الجنوب كانت حاضرة في لقاءاته الأخيرة في نيويورك وواشنطن، سواء مع الأمين العام للأمم المتحدة أو المسؤولين الأميركيين أو رئيس البنك الدولي، سعياً إلى تأمين الموارد المطلوبة لخطة التعافي وإعادة الإعمار. وفي الموقف السياسي، شدد سلام على أن "الضمانة الحقيقية هي في حشد ما استطعنا من إمكانات لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل وبناء الدولة"، رافضاً أن يبقى الجنوب رهينة حرب جديدة أو تسويات إقليمية مؤجلة، وأن يستمر الأهالي في دفع أثمان صراعات يقررها الآخرون. عون للجنوبيين: الدولة لن تتخلى عن أرضكم وبالتوازي مع جولة سلام، وجّه رئيس الجمهورية جوزاف عون رسالة إلى أبناء الجنوب خلال استقباله وفداً من بلدية دير ميماس، مؤكداً أن الدولة ستبقى إلى جانب الصامدين في قراهم والنازحين قسراً حتى زوال الاحتلال الإسرائيلي. وقال عون إن صمود الأهالي في أرضهم ومنازلهم وأ