تحدث الروائي والناقد والمترجم الجزائري، محمد ساري، الذي يملك أكثر من 60 مؤلفا، في حوار مع "العربية.نت" حول واقع الأدب في الجزائر، قبيل افتتاح المعرض الدولي للكتاب 2026، كما تعرض لإشكالية اللغات التي أثارت جدلا في الجزائر، وواقع الترجمة، وفعل القراءة، إلى جانب التطرق إلى تفاصيل الحدث الأدبي الذي سيحضر فيه بعنوان جديدة. العربية.نت: وقع جدل في الجزائر حول اللغة الأجنبية الأولى. هل ترى أن الواقع يفرض أن تحل الإنجليزية محل الفرنسية؟ محمد ساري: مشكلة اللغات في الجزائر أمر واقع منذ استقلال البلاد في 1962. فبعد قرابة قرن ونصف من الاستعمار الفرنسي، حيث عمل هذا الأخير المستحيل لمحو اللغة العربية من جميع الاستعمالات الرسمية، كان من الطبيعي جدا أن يكون ردّ فعل الحكومة الجزائرية وجزء من النخبة أن تسارع إلى إعلان اللغة العربية لغة وطنية ورسمية مسجلة في الدستور. ولكن اللغة المنتشرة في الإدارة والتعليم ومختلف المصالح هي الفرنسية وبقيت كذلك لسنوات طويلة. ومع ذلك اجتهدت الدولة الجزائرية في تعريب المصالح الحيوية مثل التعليم والعدالة والدفاع، فأعادت الاعتبار للغة العربية. ومع ذلك بقيت الفرنسية مسيطرة خاصة في الإدارة والتعليم العالي في التخصصات العليمة كالطب والمدارس التقنية العليا. وبقيت اللغة الفرنسية هي اللغة الأجنبية الأولى بلا منافس حتى وإن كانت اللغة الإنجليزية تدرّس أيضا ولكن ابتداء من المستوى التعليمي المتوسط. ولكن ظهور الإنترنت والرقمنة والجيل الجديد الذي لجأ إلى اللغة الإنجليزية كبديل لانتشارها وسهولة الوصول إلى منابعها عبر المواقع الأنجلوسكسونية المنتشرة عبر العالم أحدث هزّة كبرى في هيمنة اللغة الفرنسية، مما أدّى بوزارة التربية إلى إعادة النظر في مرتبة اللغة الأجنبية الأولى بتفضيل اللغة الإنجليزية، حيث أُدرجَت في السنة الثالثة ابتدائي وأخرت اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة. ومما ساعد على هذا القرار الظروف السياسية وعلاقة الجزائر مع فرنسا، زيادة إلى مخلفات ملف الذاكرة الشائك، وبالأخص الجرائم الاستعمارية التي ترفض فرنسا الاعتراف بها، ولو من باب المسؤولية الأخلاقية فقط. فكثر الجدل وتعمّق وتعالت الأصوات الكثيرة المدافعة عن تفضيل اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة العولمة منادين بمحو اللغة الفرنسية من جميع المصالح الجزائرية. ولكن المسألة ليست بهذه السهولة. فالثقافة الجزائرية تحمل إرثا وطنيا باللغة الفرنسية وعلى جميع المستويات السياسية التاريخية والأدبية. فكيف نتعامل مع هذا الإرث؟ هل يمكن محوه بجرّة قلم؟ ماذا نفعل بمئات بل الآلاف من المراجع التاريخية والأدبية وحتى العلمية التي ألفها جزائريون لا يشك أحد في صدق وطنيتهم وهي رصيد أساسي في تكوين الشخصية الجزائرية المعاصرة؟ وما مصير الإطارات الجامعية العديدة التي تؤطر وتدرس آلاف الطلبة، وهل بإمكان الدولة الجزائرية تعويضهم بإطارات متكونة باللغة الإنجليزية، بفتح جامعاتنا إطارات أجنبية مُؤنْجلزة مثلما فعلت مع التعريب حيث تعاملت باستعجال غير مدروس أضر باللغة العربية وبمستوى الطلبة الذين تعربوا على أيدي أساتذة غير أكفاء، ومنهم من الجزائريين الذين أجبروا على استخدام اللغة العربية وهم لا يحسنونها، مما خلق مفارقات غير تربوية، حيث أضحت لغة التدريس هي العامية وخليط من قاموس عربي فرنسي أخلط العملية التربوية وأنتج ضعفا رهيبا في المستوى اللغوي للطلبة في اللغة العربية والذي لا تزال نتائجه الوخيمة إلى يومنا هذا. هل نريد تكرار العلمية بهذا الاستعجال وننتج جيلا لا هو يتقن الفرنسية ولا الإنجليزية ولا العربية، لتصح القولة الساخرة أن الطلبة الجزائريين هم أشباه أميين في اللغة الثلاث: Analphabètes trilingues. إنه رهان الجزائر المعاصرة كي تجد حلولا عقلانية لمشكل اللغات. كيف تعيد الاعتبار إلى مكانة اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية المعتمدة في جميع المصالح وجميع المستويات، وأراه أمرا ضروريا ملحا، لأنّ التطور يكون أولا وأخيرا باللغة الوطنية. والأمر ليس من السهولة بمكان، لأن واقع اللغة العربية لا يخص الجزائر فقط بل نتقاسم هذا الواقع غير المرضي مع جميع الدول العربية ولا أظن أن العربية بخير في جميع هذه البلدان. ومن جهة أخرى وبما أننا، ولو مرحليا، لا تستطيع اللغة العربية أن تلعب دورها كاملا في التنمية البشرية والعلمية، فاللجوء إلى لغة أجنبية ضروري لا مفرا منه. فإذا كانت دول المشرق العربي قد حسم التاريخ المعاصر اختيار لغتها الأجنبية المتمثل في الإنجليزية، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للجزائر ومنطقة المغرب العربي التي تملك إرثا باللغة الفرنسية لا يستهان به ولا يمكن الإفراط فيه بسهولة، كالغراب الذي أراد تقليد مشي الحجل، فما تعلم مشيها ولا أبقى على مشيه هو مثلما تقول الحكاية الشعبية. لهذا فعلى المشرفين على المصير اللغوي في الجزا