الجنوب بين ثلاثة انفجارات وثلاث خرائط للسلاح، وثلاثة انفجارات خلال أقل من ثلاثة أشهر، وثلاثة أجسام وُصفت رسميا بأنها مشبوهة، عسكري شهيد، ضابط وجنود جرحى، ومدنيون أصيبوا، والقاسم المشترك ليس المكان وحده، ولا الجنوب وحده، بل المؤسسة التي كانت موجودة في قلب الحوادث الثلاث: في 18 تموز، انفجر جسم مشبوه بآلية للجيش في بلدة المنصوري، فسقط عسكري وأصيب ضابط وعسكري آخر. وفي 2 آب أصيب خمسة عسكريين في كفرا أثناء مواكبة الجيش للأهالي. ثم جاءت النبطية الفوقا في 30 أيلول، حيث أصيب عسكري وثلاثة مدنيين أثناء مواكبة الجيش للأهالي لتفقد ممتلكاتهم. وفي الحالات الثلاث تحدث الجيش رسميا عن جسم مشبوه، من دون أن ينسب المسؤولية عن التفجيرات إلى حزب الله أو إلى إسرائيل. وهنا تحديدا يجب أن نتوقف. لأن أخطر ما يمكن فعله هو القفز من الشبهة إلى الاتهام، وأخطر منه أيضا أن نتعامل مع تكرار هذه الحوادث وكأنه مجرد سوء حظ أمني. وهنا السؤال ليس من فجّر؟ قبل أن تقول التحقيقات كلمتها، فالسؤال الأوسع هو في أي أرض يتحرك الجيش اللبناني، وما الذي بقي مدفونا فيها، ومن يعرف خريطته؟ فالجيش اليوم لا يتحرك في فراغ، إنه يدخل إلى جنوب أنهكته الحرب، وتداخلت فوق أرضه مخلفات القتال والذخائر والبنى العسكرية، فيما تستمر العمليات الإسرائيلية، وتبقى قضية سلاح حزب الله ومواقعه العسكرية في قلب الصراع السياسي والأمني على مستقبل المنطقة. وهكذا تصبح العبارة الرسمية الصغيرة جسم مشبوه أكبر بكثير من جسم انفجرعلى طريق إنها سؤال عن الأرض نفسها فمن يعرف ماذا يوجد تحت التراب؟ فحين تتحرك دورية للجيش في أرض لبنانية، يفترض ألا تحتاج إلى خريطة أمنية من أحد سوى الدولة اللبنانية وحين يدخل العسكري إلى موقع في الجنوب، يفترض ألا يكون هناك مستودع أو نفق أو عبوة أو بنية عسكرية مجهولة بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الشرعية هذه ليست مسألة سياسية فقط هذه مسألة حياة أو موت، لأن حصرية السلاح لا تعني فقط جمع البنادق والصواريخ. إنها تعني أيضا أن تكون للدولة وحدها المعرفة الكاملة بما يوجد على أرضها وتحت أرضها، وأن تعرف أين توجد الذخائر والأنفاق والمواقع العسكرية ومخلفات الحرب، وأن تستطيع دخول أي بقعة لبنانية من دون أن يصبح جنودها ضحايا لما لا يعرفونه. وهنا تصبح الحوادث الثلاث أكثر من أرقام منفصلة المنصوري، كفرا، النبطية الفوقا، ثلاث نقاط على الخريطة، لكنها ترسم سؤالًا واحدا كبيرا: هل يملك الجيش اللبناني الخريطة الأمنية الكاملة للأرض التي يُطلب منه أن يبسط سلطته عليها؟ وبالذهاب الى علي الطاهر... حين ضاعت الفرصة بين الدولة والحزب وإسرائيل. فلعل مرتفعات علي الطاهر تختصر المعضلة كلها فالموقع الاستراتيجي المطل على النبطية وإقليم التفاح، والذي يبلغ ارتفاعه نحو 600 متر، تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من أكثر نقاط الجنوب حساسية عسكريا وسياسيا. طُرحت فكرة تسليمه إلى الجيش اللبناني، فيما ارتبط الخلاف عليه أيضا بالنقاش حول حصرية السلاح شمال الليطاني. لكن التطورات تجاوزت النقاش ففي مطلع أيلول، أفادت تقارير بأن حزب الله أخلى مرتفعات علي الطاهر بدل تسليمها إلى الجيش، فيما أعلنت إسرائيل في 3 أيلول ما وصفته بـ السيطرة العملياتية على المنطقة. وتبقى تفاصيل السيطرة الميدانية وعمقها محل روايات متباينة، لكن النتيجة السياسية وحدها تكفي لطرح السؤال إذا كان موقع لبناني سيُخلى، فلماذا لا يكون الجيش اللبناني هو من يتسلّمه؟ هذا السؤال لا يحتاج إلى اصطفاف حزبي كي يصبح مشروعا لأن البديل عن الدولة في مناطق النزاع ليس فراغا بريئا. الفراغ قد تملؤه إسرائيل، وقد تملؤه قوة مسلحة، وقد يتحول إلى منطقة قتال جديدة. أما الدولة، فإذا كانت فعلًا صاحبة السيادة، فلا يفترض أن تقف على باب أرضها تنتظر الإذن بالدخول إليها إسرائيل ليست خارج المعادلة لكن تحميل المشهد لطرف لبناني وحده سيكون قراءة ناقصة أيضًا إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية في الجنوب، وقد شهد يوم حادثة النبطية الفوقا نفسه غارة إسرائيلية على المنطقة وعمليات وقصفًا في مناطق جنوبية أخرى. كما أن حادثتي النبطية الفوقا وكفرا شهدتا في البداية حديثًا عن استهداف إسرائيلي قبل أن يوضح الجيش، بعد الكشف الهندسي، أن الإصابات ناجمة عن انفجار أجسام مشبوهة وفي حادثة المنصوري، ذهبت إسرائيل إلى اتهام حزب الله بالمسؤولية عن العبوة، لكن الجيش اللبناني لم يتبنَّ هذا الاتهام، واكتفى بالإعلان عن انفجار جسم مشبوه واستمرار التحقيق وهذا التفصيل بالغ الأهمية. لأن لبنان لا يحتاج إلى روايات متصارعة فوق دم جنوده. يحتاج إلى تحقيقات واضحة، ونتائج معلنة، ومحاسبة إذا ثبت أن جهة ما زرعت أو تركت متفجرات تهدد الجيش والمدنيين. لسنوات طويلة، كان النقاش محصورا بالسلاح جنوب الليطاني لكن علي الطاهر نقل السؤال عمليًا إلى ما