في ذكرى 13 تشرين: هل فشلت محاولة بناء الدولة أم أفشلناها جميعًا؟ ألكسندر نعمه عندما عاد العماد ميشال عون إلى لبنان عام 2005، كنت في الخامسة والعشرين من عمري. لم تكن عودته بالنسبة إليّ مجرد عودة زعيم سياسي من المنفى، لأنني كنت قد أمضيت قبلها تسع سنوات من شبابي في الشارع: من مظاهرة إلى اعتصام، ومن بسطة لبيع الخضار إلى بسطة لبيع الكعك، ومن شعار "ما تشتري إلا من لبناني" إلى شعار "ما بدنا كعك بلبنان إلا الكعك اللبناني". قد تبدو هذه التفاصيل اليوم صغيرة، وربما طريفة لمن لم يعش تلك المرحلة، لكنها بالنسبة إلينا لم تكن كذلك. كانت أدوات احتجاج جيل رفض أن يتصالح مع واقع سياسي فُرض عليه. تعرضنا للاعتقال والضرب والتهديد والتنكيل، لكننا كنا نعتقد أن لبنان الذي نحلم به يستحق أن ندفع ثمن الدفاع عنه. انتهت الحرب اللبنانية عام 1990، لكنها لم تنتهِ في نفوس اللبنانيين. خرج اللبنانيون من الحرب وهم يخافون بعضهم من بعض. احتمت كل طائفة بزاويتها، وأقيمت بين الجماعات اللبنانية حواجز نفسية وسياسية ضخمة. وفي ظل الهيمنة السورية على القرار اللبناني، ترسخ نظام سياسي استفاد من هذه الانقسامات، فيما كانت الطبقة السياسية تعد اللبنانيين بالإعمار والازدهار، وتتراكم في الدولة اختلالات بنيوية ومالية وإدارية ستظهر نتائجها الكارثية بعد سنوات. خمسة عشر عامًا مرت بين انتهاء الحرب وانسحاب الجيش السوري، لكننا لم ننجز خلالها المصالحة الأهم: أن يكتشف اللبناني أن الآخر ليس عدوًا لمجرد أنه ينتمي إلى طائفة أو منطقة أو تجربة سياسية مختلفة. في 7 أيار 2005 عاد العماد ميشال عون إلى لبنان، بعد أيام من اكتمال انسحاب القوات السورية. ومن أولى الإشارات التي حملت بالنسبة إليّ معنى سياسيًا وإنسانيًا كبيرًا زيارته، بعد أقل من أسبوعين، خصمه السابق سمير جعجع في سجنه. قال عون يومها إن الصفحة الماضية يجب أن تُطوى، وإن اللقاء يؤسس لعلاقة جديدة ضمن الحياة الديمقراطية. لم تكن المصالحة سهلة بين رجلين خاض معسكرهما مواجهة دامية في نهاية الحرب، ولهذا كانت للصورة دلالة تتجاوز الرجلين نفسيهما. وتبع ذلك انفتاح على قوى وشخصيات من مختلف البيئات الدرزية والسنية والشيعية. بالنسبة إليّ، كان هناك خيط واحد يجمع هذه المحاولات: كسر الجدران التي بنتها الحرب بين اللبنانيين وبعدها السلم المزيف. الى أن وصلنا الى الاختبار الأصعب والأكثر إثارة للجدل: "حزب الله". كان الاختلاف بين المشروع الذي كان يطرحه عون وبين الخيارات الاستراتيجية لحزب الله كبيرًا، وخصوصًا في مفهوم الدولة والسلاح وعلاقة لبنان بصراعات المنطقة. ولهذا أحدث توقيع وثيقة التفاهم في شباط 2006 صدمة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين. بعد عشرين عامًا، يمكننا أن نختلف على نتائج تلك الوثيقة، وربما يجب علينا فعل ذلك. لكن من الصعب إنكار أنها أحدثت تحولًا اجتماعيًا وسياسيًا مهمًا بين بيئتين لبنانيتين كانتا بعيدتين جدًا إحداهما عن الأخرى. بدأ لبنانيون يزورون مناطق لم يكونوا يزورونها، ويلتقون بأناس كانوا يعرفونهم من خلال صور صنعتها الحرب والإعلام والسياسة. وسقط، ولو جزئيًا، حاجز نفسي بين مجموعتين وازنتين. لكن التفاهم لم يكن، في نصه، أبدًا تحالف انتخابي، بل كان خريطة طريق، تناول الديمقراطية التوافقية، وقانون الانتخاب، وبناء الدولة، والمفقودين في الحرب، والعلاقات اللبنانية-السورية، والعلاقة مع الفلسطينيين، كما تناول سلاح حزب الله ضمن تصور للاستراتيجية الدفاعية. ومن هنا إنطلق الرهان أكبر، هل يُصبح اندماج حزب الله في الدولة ومشروعها تدريجيًا أقوى من ارتباط السلاح بمنطق المحاور؟ وهنا، باعتقادي، يجب أن تبدأ المراجعة الأهم في مسيرتنا، فهل كانت محاولة الحوار مع حزب الله خطأ؟ لا أعتقد ذلك. لبنان لا يبنى بإلغاء مكوّن لبناني كبير، ولا بإقامة جدران بين أبنائه. لكن السؤال الأصح طرحه هو: هل أخطأنا في تقدير قدرة هذا الحوار على تغيير الخيارات الاستراتيجية لحزب الله؟ فلا بدَّ أنَّ السنوات اللاحقة أعطت جوابًا قاسيًا. تبين أن ارتباط حزب الله بإيران ومحورها الإقليمي أعمق من قدرة تفاهم داخلي أو شريك سياسي لبناني على تغييره. ومع دخول الحزب الحرب السورية، ثم انتقال المنطقة لاحقًا إلى جولات جديدة من المواجهة، من حرب اسناد غزة الى حرب اسناد ايران، عاد السؤال الذي حاول تفاهم 2006 الإجابة عنه: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ وأين تنتهي وظيفة المقاومة في الدفاع عن لبنان وأين يبدأ الانخراط في صراعات تتجاوز حدوده؟ ربما كان الخطأ الأكبر أننا اعتقدنا أن الزمن سيجعل منطق الدولة أقوى، فيما أثبتت التجربة أن الوقت وحده لا يبني دولة. ومع ذلك، يبقى طرح الأسئلة المعاكسة للواقع مشروعًا: - ماذا لو وافقت القوى اللبنانية عام 2006 على تحويل النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية إلى خطة فعلية؟ - ماذ