ثمة ظاهرة بدأت تفرض نفسها على المشهد الثقافي والأدبي مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، لا سيما بعدما سُحِبت رواية الكاتب الكندي-الهايتي تيليسون أوريليان، من لائحة الأعمال المرشحة لجائزة غونكور الفرنسية، وهي أن يتحول مجرّد الاشتباه في استعانة كاتب بهذه الأدوات، نوعاً من الاتهام، وكأن استخدام التكنولوجيا في حد ذاته دليل على غياب الموهبة أو انتحال الإبداع. والأخطر أن يتحول هذا الاتهام أحيانًا إلى حكم نهائي على النص وكاتبه، من دون دليل واضح، ومن دون تمييز بين كتابة النص بواسطة الذكاء الاصطناعي وبين الاستعانة به في مراحل مختلفة من العمل الكتابي. هذه المسألة تستحق قدرًا أكبر من الهدوء والدقة، لأننا أمام تقنية جديدة تدخل تدريجيًا في معظم تفاصيل حياتنا، وليست تريند أو ظاهرة عابرة ستختفي بعد شهور أو سنوات. من المهم أولًا التمييز بين أن يكتب الذكاء الاصطناعي رواية كاملة بدلاً من الكاتب، وبين أن يستخدم الكاتب أداة ذكية لتدقيق جملة، أو اقتراح صياغة، أو مراجعة علامات الترقيم، أو تصحيح خطأ نحوي أو إعرابي. هذه عمليات مختلفة جذريًا، حتى لو اجتمعت تحت اسم واحد هو "الذكاء الاصطناعي". والحقيقة أن أدوات البحث نفسها التي يلجأ إليها الكتّاب والباحثون ليست معصومة من الخطأ. بل إن بعض الأدوات التي أصبحت اليوم تعتمد على الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وترتيبها وتلخيصها قد تقدم إجابات غير دقيقة، أو تخلط بين المصادر، أو تملأ الثغرات بمعلومات تبدو مقنعة لكنها غير صحيحة. لذلك فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يلغي مسؤولية الكاتب في التحقق، بل يجعل هذه المسؤولية أكثر ضرورة. وهنا تظهر مفارقة لافتة وهي أن يُتهم الكاتب بأنه استعان بالذكاء الاصطناعي، بينما تكون بعض أدوات البحث التي يستخدمها من ينتقده قد استعانت هي الأخرى بالذكاء الاصطناعي. لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال هو: "هل استخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي؟" فحسب، وإنما: "كيف استخدمه؟ وما الذي أنجزه بنفسه؟ وما المصادر التي اعتمد عليها؟ وهل تحقّق من المعلومات؟". الشفافية في هذه المسألة تبدو أكثر فائدة من الاتهام. فإذا استعان الكاتب بأداة ذكاء اصطناعي في تدقيق بعض الجمل أو تصحيحها إعرابيًا ونحويًا، فمن الأفضل أن يذكر ذلك في مسودات المقالات والكتب، خصوصًا عندما تكون هذه المساعدة جزءًا واضحًا من عملية التحرير. الاعتراف باستخدام الأداة لا ينتقص بالضرورة من قيمة الكاتب، بل يمكن أن يكون دليلًا على وعيه بحدود الأدوات التي يستخدمها وبطبيعة العمل الذي أنجزه بنفسه. لقد اعتدنا، في مراحل سابقة، على الاستعانة بمدقق لغوي، ومحرر، ومترجم، وباحث، ومصمم، ومصحح بروفات (سواء كان هؤلاء بشراً أم أدوات فرعية في الكومبيوتر). ولم يكن أحد يفترض أن الاستعانة بهذه الأدوات/هؤلاء الأشخاص تعني أن الكاتب لم يكتب كتابه. الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة إلى هذه المنظومة، بدلأً من أن يُغني عنها، فهو لا يلغي تلقائيًا الفروق بين المؤلف والمحرر والمدقق والباحث. وفي المقابل، فإن الدفاع عن حق الكاتب في استخدام التكنولوجيا لا يعني تجاهل المخاطر. فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج لغة سليمة ظاهريًا، لكنها فارغة من التجربة، وعلى اختراع معلومات ومراجع، وعلى إعادة تركيب أنماط أدبية موجودة بطريقة قد تبدو أصلية للوهلة الأولى. ولذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى وعي نقدي، لا إلى ثقة عمياء. لكن ثمة جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو أنه يجب علينا أن نتأقلم بشكل أو بآخر مع الذكاء الاصطناعي. لقد دخلت أدوات الذكاء هذا، بالفعل، إلى الطب والتعليم والهندسة والاقتصاد والإعلام والترجمة والبرمجة والبحث العلمي والصناعة وغيرها من المجالات. ومن الصعب تصور أن العالم سيقرر ببساطة الاستغناء عنه والعودة إلى ما قبل ظهورها. المسألة لم تعد اختيارًا بين عالم يستخدم الذكاء الاصطناعي وعالم لا يستخدمه؛ بل أصبحت سؤالًا عن كيفية استخدامه بصورة مسؤولة، وعن الحدود التي ينبغي أن نضعها له. والأدب ليس استثناءً. لقد استبدل الإنسان الريشة بالقلم، ثم استبدل القلم بالآلة الكاتبة، ثم جاءت لوحة المفاتيح والشاشة لتحل تدريجيًا محل الورق. لم يتغير جوهر الكتابة لأن الأداة تغيرت. لم يصبح الكاتب أقل عبقرية لأنه لم يعد يغمس الريشة في الحبر. واليوم يمكن أن يأتي دور الذكاء الاصطناعي ليحل محل بعض هذه الأدوات، أو ليصبح شريكًا تقنيًا في عملية الكتابة وتوفير الوقت والجهد. لكن انتقال الأداة من الريشة إلى لوحة المفاتيح ثم إلى الذكاء الاصطناعي لا يعني انتقال التجربة الإنسانية نفسها إلى الآلة. الكاتب ليس مجرد شخص ينتج جملًا صحيحة. الكاتب حصيلة ما عاشه، وما خسره، وما أحبه، وما خاف منه، وما ندم عليه، وما عجز عن قوله في وقته. وهو أيضًا حصيلة ما قرأه طوال حياته. القصص التي قرأها في طفولته، الروايات التي أثّرت فيه، ا