عاد الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى التحذير من تحوّل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى مسار مفتوح بلا سقف زمني أو نتائج ملموسة، مستحضرًا تجربة اتفاق أوسلو، في موقف يأتي عشية جولة تفاوضية جديدة مرتقبة في روما وبعد أشهر من المحادثات التي لا تزال تواجه خلافات حول الانسحاب الإسرائيلي وآليات التنفيذ والتحقق. وكتب جنبلاط في منشور على منصة "إكس": "يبدو أننا دخلنا في حلقة التفاوض من أجل التفاوض، وفي كل جلسة سيتلقى الوفد اللبناني مطالب جديدة، لذا أنصح بأن نستفيد من مسار أوسلو وأن نعمق التنسيق مع مقاطعة رام الله". ويأتي موقفه فيما لم يؤدِ المسار التفاوضي حتى الآن إلى تنفيذ كامل لاتفاق الإطار الذي وُقع في واشنطن في 26 حزيران الماضي. وكانت الجولة السابعة قد عُقدت في روما في آب، قبل أن تؤجل الجولة التالية التي كانت مقررة في أيلول إلى تشرين الأول. ووفق مسؤول في الخارجية الأميركية، يُفترض أن تواصل الجولة المقبلة البحث في تطبيق الاتفاق الذي يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، وحصر السلاح بيد الدولة. وحتى الآن لم يُعلن موعد نهائي للجولة المقبلة. والتباين الذي يشير إليه جنبلاط ظهر أيضًا في ملف "المناطق التجريبية". فقد أظهر تطبيق النموذج الأول في زوطر الغربية صعوبة الانتقال من التفاهمات المكتوبة إلى التنفيذ الميداني، فيما بقيت قضايا آلية التحقق والجدول الزمني ومسار الانسحاب من أبرز العقد المطروحة. وفي أحدث تحرك رسمي لبناني، شدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن في 28 أيلول على ضرورة الانتقال إلى تنفيذ فعلي للإطار الثلاثي، وفق مبدأَي التبادلية والمرحلية، ووضع جدول زمني واضح وآلية موثوقة للتحقق من الالتزامات، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل وبسط سلطة الدولة. ومن هنا تكتسب عبارة جنبلاط عن "التفاوض من أجل التفاوض" دلالتها السياسية: فهو لا يعلن رفضه مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل يحذر من مسار قد يستمر جولة بعد أخرى فيما تتغير الشروط أو تتوسع الملفات المطروحة من دون تثبيت نهاية واضحة للعملية. وهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها أوسلو كمثال تحذيري؛ ففي حزيران الماضي دعا إلى تحديد "إطار نهائي واضح" للمفاوضات اللبنانية، محذرًا آنذاك أيضًا من تكرار تجربة التفاوض المفتوح التي يربطها بمسار أوسلو. أما دعوته إلى "تعميق التنسيق مع مقاطعة رام الله"، فتحمل على الأرجح معنى الاستفادة من الخبرة الفلسطينية الطويلة في إدارة المفاوضات مع إسرائيل، بما فيها تجربة أوسلو ومراحل تطبيقها وتعثرها. و"المقاطعة" في رام الله هي مقر الرئاسة الفلسطينية ومركز مؤسسات رئاسية وحكومية فلسطينية. أما الصورة التي اختارها جنبلاط، فهي مفتاح إضافي لفهم رسالته. الصورة تعود إلى تمثال "الكاتب الجالس" المصري الشهير المحفوظ في متحف اللوفر، وهو عمل يعود إلى الدولة المصرية القديمة ويُظهر كاتبًا جالسًا متربعًا، فاتحًا لفافة بردي أمامه، ويده في وضعية الاستعداد للكتابة. ويشير متحف اللوفر إلى أن الشخصية كانت تمسك أداة للكتابة في يدها اليمنى، فيما بقيت هويتها غير معروفة. وربط الصورة بالنص يفتح قراءة رمزية واضحة، وإن لم يشرح جنبلاط بنفسه سبب اختيارها: كاتب يجلس أمام أوراقه مستعدًا لتسجيل ما يُملى عليه، مقابل عبارة "في كل جلسة سيتلقى الوفد اللبناني مطالب جديدة". وبذلك تبدو الصورة وكأنها تسخر بصريًا من خطر أن تتحول المفاوضات إلى سلسلة متواصلة من الأوراق والمطالب والتدوين، بدل أن تكون طريقًا محددًا نحو تنفيذ التزامات متبادلة ونتيجة نهائية. هذه قراءة للصورة وليست تفسيرًا معلنًا من جنبلاط. كما أن اختيار رمز "الكاتب" ينسجم مع استحضاره أوسلو: اتفاقات، ملاحق، مراحل، خرائط وتفاوض ممتد. لذلك تبدو الرسالة المركبة للمنشور كالتالي: جنبلاط يحذر من أن يصبح الوفد اللبناني في موقع من يسجّل مطالب جديدة في كل جولة، فيما يبقى التنفيذ مؤجلًا، ويدعو إلى دراسة التجربة الفلسطينية قبل أن يتكرر مسار تفاوضي طويل بلا نهاية محسومة.