حين ذهبت للقاء الشيخة بدور القاسمي في بيت الحكمة في الشارقة، حملت معي كتبي وكتب أبي وأخي، وحملت لها كيسا من الزعتر. فكرت قبلها: ماذا يمكن أن تهدي شاعرة مثلي لأميرة؟خاتم ألماس مثلا؟ضحكت من الفكرة. لا أملك خاتم ألماس أهديه، وأنا امرأة كادحة تعيش من الكتابة والكلام، وما أملكه حقاً لا يوضع عادة في علب المخمل. لذلك أخذت لها ما عندي: زعتر مطحون من أرض الجنوب، دقّته يدا أمي. اليوم، بعدما قرأت كتابها "أخبروهم أنها هنا… بحثا عن ملكة مليحة"، أفكر أنني، من دون أن أعرف، حملت إليها شيئاً يشبه كتابها.قليلاً من الأرض. الأرض التي نأتي منها، ونمضي أعمارنا نظن أننا نملكها، ثم نكتشف أنها هي التي تملكنا. نحملها معنا في اللغة والطعام واللهجة ورائحة البيوت، وفي أسماء أمهاتنا وجداتنا، وفي تلك الأشياء الصغيرة التي نأخذها معنا حين نسافر، كأننا نخشى أن نبتعد كثيراً فننسى من أين أتينا. كنت قد أرسلت إلى السيدة بدور القاسمي رسالة أطلب موعداً. ردت، وأعطتني الموعد ببساطة. التقينا في "بيت الحكمة" العظيم . كنت مع ابني آدم، أذكر أني جلست أمام امرأة لا تحتاج إلى أن تذكرك بمن تكون.وهذه، ربما، إحدى العلامات السرية للثقة الحقيقية: أن صاحبها لا يضطر إلى استعراضها. استمعتْ بمحبة ..وما أندر الذين يعرفون كيف يستمعون حين تكون لديهم كل الأسباب التي تجعل الآخرين يستمعون إليهم. استمعت إلى ثرثراتي وحكاياتي وأسئلتي. تحدثت مع آدم ابني، ووعدته أن تأخذه إلى رحلة في الصحراء. كان في حضورها ذلك النوع من الهدوء الذي لا يصنع مسافة، والبساطة التي لا تلغي الهيبة. خرجت من اللقاء وأنا أفكر أن بعض الناس يحتاجون إلى ألقابهم كي يكبروا، وبعضهم يجعل اللقب يبدو أصغر منه حين يطل. كتاب أخبروهم أنها هنا… بحثا عن ملكة مليحة ثم قرأت كتابها.وفهمت أن المرأة التي قابلتها في بيت الحكمة تشبه، بطريقة ما، المرأة التي ذهبت تبحث عنها في الصحراء. وربما نحن لا نبحث في التاريخ إلا عمن يشبه سؤالاً قديماً في داخلنا.أغلقت كتاب بدور القاسمي، وبقي العنوان مفتوحاً: "أخبروهم أنها هنا".جملة قصيرة أربكتني أكثر من حكايات كثيرة في الكتاب.توقفت عند "هم".من هم الذين يجب إخبارهم؟وتوقفت أكثر عند "هي".من هذه المرأة التي تحتاج، بعد كل هذا الزمن، إلى شاهد يرفع يده ويقول: انتبهوا، إنها هنا؟ثم تمعنت إلى شيء أكثر الكاتبة لم تكتب:كانت هنا.كتبت:إنها هنا.وهنا، في رأيي، يختبئ الكتاب كله. فالتاريخ مولع بالفعل الماضي. كان ملك، وكانت مملكة، وعاش قوم وماتوا واندثروا. يأتي علماء الآثار بعد قرون، ينفضون التراب عن حجر أو نقش أو قطعة نقد، ويحاولون إعادة ترتيب الغياب.أما الأدب فله وقاحة أخرى.يستطيع أن يمد يده إلى امرأة ماتت منذ قرون ويقول لها:انهضي قليلاً، ما زال عندنا كلام.وهذا ما تفعله بدور القاسمي في كتابها. تدخل مليحة باحثة عن ملكة، ثم تتورط في البحث عن نفسها.وكلما حفرت في الأرض، انفتح فيها حفر آخر. فالرحلة التي تبدأ من أثر ونقش وعملة وأسئلة حول "أبييل" وملكات عبرن هذه الأرض، تتسع حتى يصعب الفصل بين ما هو تحت الرمل وما هو تحت الجلد. تتجاور مليحة مع الأم والجدة، والتاريخ مع الذاكرة، ويجلس علماء الآثار إلى جوار المتصوفة والشعراء، ويدخل المتنبي وأبو نواس وغارسيا لوركا إلى كتاب يفترض ظاهريا أنه يطارد امرأة قديمة في الصحراء. يتنقل الكتاب بين السيرة والبحث والتأمل والأسطورة والتاريخ والحلم. يصعد إلى كليمنجارو ثم يعود إلى صحراء مليحة، يلاحق نقشا ثم ينشغل بسؤال روحي، ينظر إلى قطعة نقد ثم يصغي إلى همس امرأة. وقد تكون هذه الفوضى أكثر ما يشبه الذاكرة نفسها.فنحن لا نتذكر وفق فهرس.لا نقول: الآن سأفتح باب الطفولة، ثم أغلقه، وبعد ثلاثين صفحة سأفكر في أمي، وبعد خمسين سأشتاق إلى ميت.ذاكرتنا أكثر فوضى منا.رائحة واحدة قد تعيد ميتا بكامل جسده. حجر قد يفتح طفولة. أغنية قد تهدم ثلاثين سنة. واسم امرأة لم نرها قط قد يجعلنا، لسبب مجهول، نشعر أننا نعرفها. لهذا قرأت مليحة في الكتاب ذاكرة لها جغرافيا.ولعل ما شدني في الكتاب أن بدور لا تكتب التاريخ ببرودة المؤرخ، ولا تسلم نفسها تماما لحرية الروائي. تظل واقفة في منطقة قلقة بين الاثنين؛ قدم في الوثيقة وقدم في المخيلة. لغتها تأملية، مشغولة بالإصغاء أكثر من الإعلان، وبالسؤال أكثر من الإجابة. تتعامل مع الحجر كأن له ذاكرة، ومع المكان كأنه كائن يعرف أكثر مما يقول. لهذا لا تأتي مليحة خلفية للحكاية، وإنما تدخل في نسيج اللغة نفسها: الرمل والصمت والنقوش والنجوم والحيوانات والأحلام، كلها تتحول إلى أبجدية ثانية تحاول الكاتبة أن تقرأ بها ما عجز التاريخ عن قوله. وأحياناً تشعر أن بدور لا تكتب ما وجدته في مليحة، وإنما تكتب ما فعلته مليحة بها. وثمة سؤال ظل يلاحقني:كم امرأة عاشت على هذه الأرض ولم يصلنا منها شيء؟لا اسم