لا شيء يلخّص جنون ”ديغر“ بقدر الأغنية التي اختارها أليخاندرو غونزاليث إينياريتو لينهي بها فيلمه. مع صعود التترات، تنطلق "ماذا فعلوا بأغنيتي، يا أمّي؟"، لتستعيد، بعد أكثر من ساعتين من الفوضى والهستيريا والعبث، معنى آخر لما أرادته المغنية ميلاني، فتصبح تعليقاً ساخراً على "الطبيعة – الأم" التي بدأت ربما تعي ماذا حلّ بها. يصعب وضع "ديغر" في خانة واحدة: فيلم كارثة أو فيلم استشرافي، ثريلر أبوكاليبتي، كوميديا مناهضة لأميركا؟ يجمع العمل (المعروض حالياً في الصالات اللبنانية والعربية) هذه العناصر كلها في هجاء عنيف يطال السياسة والبيئة والمجتمع، ولا يوفّر أحداً من سخريته، فيما تتوالى الأخطار والانتهازية والنفاق والتجاوزات كأنها بديهيات لعالم فقد السيطرة على نفسه. قد ينقسم الرأي حول الفيلم، لكن يصعب تجاهل خاتمته. ثمة صورة أخيرة مرشّحة لأن تظلّ عالقة في الذاكرة السينيفيلية، على غرار ما فعله فرانكلن شافنر في "كوكب القردة" عام 1968. فالمشهد الذي أنهى به تحفته دخل تاريخ السينما من بوابتها العريضة، وربما يكون إينياريتو قد صنع في "ديغر" نهاية تملك القدرة نفسها على البقاء.لا يحتاج إينياريتو إلى الكثير كي يضع بطله في الواجهة. ديغر روكويل (توم كروز) ملياردير النفط الذي يبدأ نهاره بالاطمئنان إلى قطّته العجوز، شخصية خرجت من تقاطع نماذج عدة. لكن الرجل الذي يبدو في البداية أحد صانعي الكارثة سيجد نفسه، مع تصاعد الأحداث، في موقع مختلف تماماً. فالشرارة تأتي من كارثة بيئية مرتبطة بالتنقيب عن النفط، ضمن منظومة استغلالية تحميها الرؤوس الكبيرة ولا يمكن فصلها عن الفساد والتواطؤ والاحتقار للعلم الذي يواصل تدمير الكوكب الذي يقتات عليه. سرعان ما يدخل الرئيس الأميركي (جون غودمان) على الخط، في أداء بالغ الجنون، فيما تتّجه كتلة جليدية ضخمة نحو شمال أوروبا، وتصبح هولندا أولى الدول المهدّدة. وحين لا يبقى في جعبة الإدارة الأميركية حلّ، يصبح السؤال: هل ننقذ ما يمكن إنقاذه، أم نستفيد من الكارثة ما دمنا عاجزين عن منعها؟ الملياردير والقطّة والطبيب البيطري. الرئيس نفسه لا يبدو قادراً على إيجاد مَخرج. أقصى ما يستطيع فعله هو الدعوة إلى الصلاة، خصوصاً أنه مصاب بسرطان شرجي (!). شخصية لا تخفي أصداء دونالد ترامب: النرجسية، جنون العظمة، والقرارات التي تتقدّم فيها القوة على المنطق، كما في العبارة التي يطلقها أحد أعضاء فريقه: "لنقصف، ثم نفكّر". سخرية تكشف في الوقت نفسه مدى صعوبة تخطّي السينما الأميركية نزيل البيت الأبيض. معظم الشخصيات مرسومة بملامح متضخّمة تدنو إلى البورلسك، إلى أن يستولي "الحفّار" على المشهد ويقلب موقعه بالكامل: من المتّهم بالتسبّب في الكارثة إلى الرجل الذي يتقدّم لإنقاذ الوضع. يبلغ هذا كله ذروته أمام جمع من الساسة وأصحاب القرار الأوروبيين، حين يأتي ديغر ليواجههم. لا يحاول تبرئة نفسه من المسؤولية عن الضرر البيئي؛ على العكس، يقر بها، لكنه يوسّع دائرة الاتهام لتشملهم، مذكّراً إياهم بتواطئهم وبأيديهم الملطّخة. لعبته هي الآتية: لكي تخرج من أزمتك، عليك أولاً أن تجعل الآخرين يشعرون بأنهم شركاء في الجريمة. وبفضل البهلوانيات الخطابية التي يمارسها، تتحوّل هذه الحقيقة نفسها إلى ما يكفي لجعل كلّ شيء قابلاً للتصديق. أهم ما يقوله الفيلم في هذه المرحلة: أولئك الذين ساهموا في خراب الكوكب هم أنفسهم الذين يظهرون لاحقاً بوصفهم أصحاب الحلول. الفكرة تُلخَّص بعبارة لافتة: "للذعر فوائد أيضاً"، ذلك ان الكوارث تسمح بولادة أبطال. ومَن يمتلك السلطة يعرف كيف يقلب المأزق لمصلحته، مستعيناً بالفرجة والاستعراض والكلام الرنّان، وهي ما صنعت أميركا طوال تاريخها الحديث. يرينا الفيلم من بين ما يرينا إياه، كيف تستطيع النخبة التي تحكم العالم أن تحوّل خطاياها إلى ملاحم بطولية. وحين يتعذّر تغيير الواقع، يجري العمل على تغيير الطريقة التي نراه بها، بدلاً من تغيير الواقع نفسه. لا يعود مهمّاً مَن تسبّب بالكوارث، وإنما كيف نعيد سردها إلى ما لا نهاية، كي تتبدّل الوقائع. وبما أن الجميع متورطون في المنظومة، لا يذهب الفيلم إلى صراع أخلاقي مبسَّط بين الخير والشر. أصلاً ما يضمن استمرار هذه المنظومة، هو الاكذوبة الجماعية التي يمدّها بالحياة. لا يخلو الفيلم من مفاجآت. هناك دائماً درج آخر خلف الدرج الأول، ومعلومة جديدة تختبئ وراء أخرى، بما يجعل الأحداث أقرب إلى مسرحية تتوالى فيها الانقلابات. ويواكب ذلك شريط صوتي شديد الابتكار، فيما يمنح إيمانويل لوبيزكي الصورة طابعاً خاصاً، دافعاً الفيلم إلى منطقة بين الواقع والحلم، تتولّى موسيقى كوزمو شلدرايك تعميقها. يتنقّل "ديغر" باستمرار بين الواقع والمتخيّل، وبين الحقيقي والصطنع، إلى درجة يصبح معها كلّ ما نراه عرضة للشكّ وإعادة النظر. إينياريتو يتعمّد هذا الالتباس، بن