كتبت أمل شموني في نداء الوطن:حين وصل رئيس الحكومة نواف سلام إلى واشنطن كان يحمل طرحًا طموحًا: إن تعافي لبنان، ومواجهة سلطة “حزب الله” الموازية، والتقدم نحو ترتيب مستدام مع إسرائيل، ليست ملفات منفصلة، بل هي اختبار واحد لمدى قدرة لبنان على التحوّل أخيرًا إلى السلطة السياسية والعسكرية والمالية الوحيدة في البلاد.تقول مصادر واشنطن إن هذه الرسالة لقيت آذانًا صاغية، وإن لم تخلُ من تحفظات وانتقادات. فخلال سلسلة من اجتماعاته، سعى سلام إلى تحويل “صيغة الإطار” المدعومة أميركيًا للعلاقة بين لبنان وإسرائيل إلى تسلسل قابل للتنفيذ: انسحاب إسرائيلي، تعزيز لمؤسسات الدولة، آليات تحقق موثوقة، وحصر تدريجي للسلاح بيد الدولة.غير أن رد واشنطن أشار إلى وجود شروط أكثر صرامة، فأشارت المصادر الأميركية إلى أن واشنطن مستعدة لدعم لبنان ذي السيادة، لكنها باتت تربط مفهوم السيادة بشكل متزايد بإجراءات ملموسة وقابلة للقياس ضد “حزب الله”، مستهدفةً ترسانته وسلاحه، وشبكاته المالية، وقدرته على الحفاظ على “دولة داخل الدولة”. وشكلت هذه الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي لبيروت ومطالب واشنطن المتعلقة بالتنفيذ جوهر التوتر الذي طبع زيارة سلام.كان الاجتماع الأهم لسلام هو ذلك الذي عقده في 28 أيلول مع وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو. وشدد سلام على ضرورة وضع جدول زمني لتنفيذ “صيغة الإطار” الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، وإرساء ترتيبات موثوقة للمراقبة والتحقق وتعزيز الدعم للقوات المسلحة اللبنانية وصولا إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.لكن البيان العلني الصادر عن الخارجية الأميركية الذي اتسم بالدعم، وجه رسائل محددة، إذ أكد مجددًا التزام واشنطن بتنفيذ لبنان لـ”صيغة الإطار”، واصفًا إياه بأنه “السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم بين لبنان وإسرائيل”. كما أكد على الدعم الأميركي لـ”دولة لبنانية ذات سيادة، بمنأى عن النفوذ الضار لحزب الله وإيران”.واعتبرت المصادر الأميركية أن هذه الصياغة تكتسب أهمية بالغة، فبالنسبة لواشنطن، هي في المقام الأول صفقة مشروطة بالأداء: إذ يتعين على الدولة اللبنانية تفكيك حالة الاستثناء -سواء المسلحة أو المؤسسية- التي مكنت “حزب الله” من الهيمنة على قرارات الأمن القومي، والحفاظ على تموضع إقليمي متحالف مع إيران، وتعريض لبنان مرارًا وتكرارًا للصراع مع إسرائيل.ومع أن سلام وصف هذا الهدف بمصطلحات دستورية دقيقة، إذ يرى ضرورة خضوع كافة الأسلحة لسلطة الدولة الحصرية، وهو التزام قبله “حزب الله” ضمنيًا بمشاركته في حكومة أقر بيانها الوزاري هذا المبدأ. غير أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في قدرة لبنان على إعادة التأكيد على تطلّع دستوري ما، بل في قدرتها على فرض هذا المبدأ في مواجهة “حزب الله”.ويتسم منطق هذا الإطار، وفقًا لدبلوماسي أميركي، بالوضوح والبساطة: إذ ينبغي أن تؤدي عملية نزع السلاح وتفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وعلى رأسها “حزب الله”، إلى إعادة تموضع القوات الإسرائيلية وانسحابها تدريجيًا أيضًا. ورغم أن نشر الجيش يُعد أمرًا ضروريًا، إلا أنه ليس كافيًا بحد ذاته، فإرسال الجيش إلى الجنوب من دون التعامل مع البنية التحتية العسكرية المتبقية لـ”حزب الله”، ومخازن أسلحته، ومنظومته اللوجستية، وسلسلة قيادته المستقلة، لن يُفضي إلا إلى وجود شكلي للدولة بدلا من فرض احتكار الدولة لاستخدام القوة.وأضاف الدبلوماسي أنه يبدو أن هذا التمييز يكمن في صلب حالة الإحباط الأميركية، فالمسؤولون اللبنانيون غالبًا ما يتحدثون عن “سيادة الدولة” كبديل لمصطلح “نزع السلاح” الذي ينطوي على حساسية سياسية بالغة، في حين يزداد رفض المسؤولين الأميركيين اعتبار الأمرين مترادفين أو قابلين للتبادل، فالسيادة هي النتيجة المرجوة، بينما يُعد تفكيك القوة العسكرية المستقلة لـ”حزب الله” الوسيلة المطلوبة لتحقيقها. غير أن مصادر لبنانية اعتبرت أن طلب سلام إيجاد آلية للتحقق لا يمثل مجرد تفصيل فني، بل هو العنصر الأهم الذي لم يُحسم بعد في هذا الإطار. وكان سلام أبلغ محاوريه بأن روبيو يشارك بيروت الرأي حول ضرورة وجود آلية للتحقق. أفادت تقارير بأن لبنان طرح احتمالية قيام أطراف ثالثة، تشمل دولا مثل إيطاليا وسويسرا، بأدوار محددة. كما شدد سلام على ضرورة ألا يؤدي انسحاب “اليونيفيل” من جنوب لبنان إلى حدوث فراغ، لافتًا إلى أن بيروت تسعى إلى دور “أممي” يركز على المراقبة وإعداد التقارير بدلا من مهام حفظ السلام التقليدية.وتقول المصادر الأميركية في هذا الإطار بأن الحاجة واضحة، لكن من غير المرجح أن تقبل إسرائيل أو لبنان تقييم الطرف الآخر لمدى التزامه. ولن تنسحب إسرائيل بناءً على تعهدات لبنانية عامة تفيد بأن الجيش قد انتشر، ولن يقبل لبنان وجودًا عسكريًا إسرائيليًا غير محدد المدة يُبرَّر بمزاعم إسرائيلية أح