شهد الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين تحولات أعادت رسم جزء من موازين القوى الإقليمية؛ وكان من أبرز هذه التحولات سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وما تبعه من تراجع الدور الإيراني المباشر في الساحة السورية، إلى جانب الضغوط المتزايدة على "حزب الله" في لبنان، ومحاولات الحكومة العراقية التعامل مع ملف الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران. هذه التطورات تطرح سؤالاً يتجاوز كل دولة على حدة: هل يخسر النفوذ الإيراني مساحات أساسية في المنطقة، أم أنه يعيد توزيع أدواته ومراكز ثقله؟ الإجابة ليست واحدة في سوريا ولبنان والعراق؛ ففي حين تراجعت قدرة طهران على استخدام سوريا كمسار نفوذ إقليمي كما كانت في عهد الأسد، لا تزال تمتلك أوراقاً سياسية وأمنية واقتصادية مهمة في العراق، بينما يبقى "حزب الله" لاعباً أساسياً في لبنان رغم التحديات التي يواجهها. كانت سوريا، خلال عهد الأسد، إحدى أهم حلقات النفوذ الإيراني في المشرق؛ فقد وفرت لطهران شريكاً سياسياً، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، ومساحة للتحرك باتجاه لبنان، لكن سقوط الأسد في نهاية 2024 غيّر هذه المعادلة. وقال الرئيس السوري أحمد الشرع في نيسان 2026 إن حكومته لم تستأنف العلاقات مع إيران حتى ذلك الوقت، واتهم طهران خلال عهد النظام السابق بالتدخل داخل الأراضي السورية، كما أكد أن دمشق تريد إبقاء سوريا خارج الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ما لم تتعرض الأراضي السورية لهجوم مباشر. والأهم أن دمشق باتت تتعامل مع ملف الحدود ونقل الأسلحة باعتباره جزءاً من سيادتها. وفي تصريحات للشرع، أشار إلى أن سوريا عانت من تدخل "حزب الله" خلال الحرب السورية، وأن حكومته تعمل على منع نقل الأسلحة إلى الحزب عبر الأراضي السورية. وهذا يعني أن طهران فقدت، على الأقل في المرحلة الحالية، العلاقة الاستراتيجية التي كانت تربطها مباشرة بالنظام السوري السابق. لكن خسارة النفوذ في سوريا لا تعني اختفاء المصالح الإيرانية من الساحة السورية؛ فإيران تستطيع محاولة الحفاظ على علاقات اقتصادية وسياسية، كما أن موقع سوريا الجغرافي يجعلها مهمة لأي استراتيجية إقليمية طويلة الأمد. إذا كانت سوريا تمثل نقطة خسارة نسبية لإيران، فإن العراق يحتفظ بأهمية مختلفة؛ فطهران بنت خلال السنوات الماضية علاقات واسعة مع قوى سياسية وفصائل مسلحة عراقية، وأصبح العراق أحد أهم ساحات نفوذها بعد 2003. لكن بغداد تحاول حالياً إعادة طرح سؤال أساسي: من يملك قرار السلاح؟ وبحسب دراسة لـChatham House في حزيران 2026، تواجه الحكومة العراقية الجديدة تحدياً يتمثل في التعامل مع عشرات الفصائل المسلحة التي تعمل ضمن إطار الحشد الشعبي بدرجات مختلفة من الارتباط بالدولة، بينها مجموعات مدعومة من إيران. وتشير الدراسة إلى أن بعض قادة الفصائل أبدوا استعداداً أكبر للاندماج في مؤسسات الدولة، فيما رفضت فصائل أخرى هذا المسار. وتشير دراسة حديثة لمكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن الحشد الشعبي يضم نحو 238 ألف عنصر، وأن عدداً من الفصائل داخله مرتبطة بإيران، فيما تواجه بغداد ضغوطاً داخلية وخارجية للحد من نشاط الجماعات المسلحة خارج سيطرة الدولة. لكن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد حل الفصائل؛ فإيران تمتلك في العراق نفوذاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وليس أمنياً فقط. وبالتالي فإن أي تغيير في وضع الفصائل المسلحة لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الإيراني داخل العراق. ويتمثل التحول المهم في العراق في أن النقاش لم يعد فقط حول العلاقة مع إيران، بل حول طبيعة الدولة العراقية نفسها. فهل يمكن للحكومة أن تجمع القوى المسلحة تحت قيادة الدولة؟ وهل يمكن للفصائل المرتبطة بإيران أن تتحول من قوى مسلحة مستقلة نسبياً إلى قوى سياسية وأمنية تعمل ضمن مؤسسات الدولة؟ تشير تحليلات دولية إلى أن بعض الفصائل باتت أكثر استعداداً للاندماج، لكن فصائل أخرى لا تزال ترفض التخلي عن استقلالية قرارها العسكري. وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التحول: إذا نجحت بغداد في زيادة احتكار الدولة للسلاح، فقد يتغير أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في العراق، حتى لو بقي النفوذ السياسي والاقتصادي قائماً. أما لبنان، فيحتل موقعاً مختلفاً في الحسابات الإيرانية. فبعد خسارة سوريا كحليف مباشر، ازدادت أهمية لبنان بالنسبة إلى طهران، وفق تحليل نشرته Reuters في حزيران 2026، التي وصفت لبنان بأنه أصبح أكثر أهمية لإيران بعد سقوط الأسد، مع استمرار "حزب الله" كأحد أبرز حلفائها في المنطقة. لكن "الحزب" يواجه بدوره مرحلة مختلفة عن تلك التي سبقت الحرب الأخيرة؛ فالحكومة اللبنانية تدفع باتجاه حصر قرار السلاح بيد الدولة، بينما يرفض "الحزب" التخلي عن سلاحه ضمن الصيغة المطروحة حالياً. كما ربط الاتفاق الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي