في ندوة أونلاين حضرتها مؤخراً لتفكيك المشهد السوري، طرحَ سياسي لبناني مخضرم سؤالاً لم أستطع تجاوزه وهو: أيّ سوريا يريد السوريون؟. اللافت أنه لم يتطوع للإجابة. قال إنّ السوريين هم من يجب أن يجيبوا، وكأنّ الرجل الذي جاء من بلد قضى عقوداً وهو يختبر معنى الدولة والتعايش والحرب، يعرف أنّ أخطر ما يمكن فعلهُ في لحظة تأسيس هو أن يجيب أحد عن الناس قبل أن يُسمح لهم بالسؤال. خرجت من الندوة وأنا أفكر بأنّ سوريا وبعد أقل من عامين على سقوط الأسد، بدأت تبني مؤسساتها بسرعة، لكنها لليوم لم تحسم بعد السؤال حول : أي دولة تريد؟ قد يبدو سؤالاً فلسفياً زائداً في بلد يريدُ الاستقرار والكهرباء والرواتب والطرق والأمان، لكنه ليس كذلك. فالسياسة تبدأ عادةً من التفاصيل التي تبدو صغيرة، ومن يقرر أين تُصرف ميزانية بلدية، ومن يعيّن موظفاً، ومن يدير مدرسة، ومن يملك قرار الأمن المحلي، قد يكون في نهاية المطاف يقرر شكلَ الدولة أكثر مما يفعل الكلام الكبير عن الدستور. لهذا استوقفتني في حديث السياسي اللبناني فكرته عن اللامركزية باعتبارها وسيلة لتقوية الدولة لا لتفكيكها. فوزارة الإدارة المحلية تعمل فعلاً على تحديث التشريعات وتوسيع صلاحيات الوحدات الإدارية وتعزيز دور المجالس المحلية، فيما بدأت الحسكة، بعد مسار دمج قسد في مؤسسات الدولة، بتشكيل مجالس محلية ومكاتب تنفيذية مؤقتة في عدد من المدن والبلدات. لكن هنا يبدأ الجزء الذي لا يمكن أن تجيب عنه المراسيم وحدها: هل تكون اللامركزية توزيعاً للسلطة، أم توزيعاً للأعمال التي كانت دمشق تقوم بها؟ الفرق ليس لغوياً. إذا بقي القرار الحقيقي في المركز وأصبحت المحافظات تدير الخدمات فقط، فنحن لم نغادر المركزية إلاّ في الممر الإداري. أما إذا مُنحت المجتمعات المحلية قدرة فعلية على إدارة شؤونها، ضمنَ دولة واحدة وقانون واحد، فنحنُ أمام شيء مختلف تماماً. عندها لا تعود اللامركزية تنازلاً من العاصمة، بل ستصبح طريقة جديدة لتعريف الدولة نفسها. وذلك بالضبط ما يجعل الحديث عن لبنان مفيداً لسوريا، بشرط ألاّ يتحول لبنان إلى كتالوج جاهز. السياسي اللبناني قالها بوضوح إنّ النموذج اللبناني للبنان فقط، وهذه ربما أهم جملة في حديثه. فلبنان حاولَ أن يحمي تعدده عبر توزيعٍ سياسي للطوائف، حتى أصبحت الطائفة جزءاً من ماكينة الدولة نفسها. وسوريا فعلت العكسَ تقريباً: دفنت اختلافاتها السياسية والاجتماعية تحتَ دولة مركزية قوية، إلى أن انهارت الدولة القديمة، فخرجت الاختلافات من تحت السجادة دفعة واحدة. لذا، لا أريد لسوريا أن تختار بين النموذجين. فلا أريد لبناناً آخر، ولا "مركزية" سورية قديمة بوجه جديد. أريد أن نتعلم من الاثنين ما يكفي كي لا نكرر أياً منهما. فالاعتراف بالخصوصية لا يعني تقسيم البلد، كما أنّ توحيد الدولة لا يعني توحيد الناس. هذه جملة تبدو بديهية، لكنّ المنطقة دفعت ثمناً باهظاً لأنها تعاملت معها كأنها تناقض. يمكن أن تكون الدولة واحدة، والجيش واحداً، والحدود واحدة، والسياسة الخارجية واحدة، وفي الوقت نفسه لا تحتاج كل مدينة إلى أن تشبه دمشق كي تثبت سوريتها. وهنا تصبح "قسد" أكثر من مجرد ملف أمني. في 25 آب الماضي أُعلن انتهاء مهمتها كقوة عسكرية مستقلة بعدَ دمج قواتها في ألوية الجيش السوري، وفي أيلول استمرت إجراءات دمج المؤسسات المدنية والإدارية في مناطق كانت تديرها. هذا، من حيث مبدأ احتكار الدولة للسلاح والمؤسسات، يعيد جزءاً من الدولة إلى الدولة. لكنهُ يفتح في الوقت نفسه سؤالاً لا يجوز دفنه تحت عنوان "وحدة القرار": ماذا عن شكل الإدارة المحلية؟ ماذا عن الحقوق الثقافية والسياسية؟ ماذا عن الطريقة التي ستُدار بها منطقة لها تاريخها وخصوصيتها؟ وكيف تتحول العودة إلى الدولة من عودة مركزية إلى عودة وطنية؟ لا يكفي أن تدخل المؤسسة إلى المكان. يجب على أهل المكان أن يشعروا بأنها مؤسستهم أيضاً. وهذا ينطبق على الحسكة كما ينطبق على السويداء، الساحل، حلب ودرعا، وإن اختلفت الحكايات والأسباب. فالخطر ليسَ في أن يكون للسوريين اختلافات بل في أن نريد التخلص من الاختلاف بديلَ أن نتعلّم إدارته. الدولة التي تخاف من تنوعها تحتاج دائماً إلى قوة أكبر لحماية وحدتها، أمّا الدولة الواثقة من نفسها فتستطيع أن تترك للناس مساحة من دون أن تشعر أنّ الخريطة ستتفتت تحتَ قدميها. ولهذا لا أرى أن السؤال اليوم هو: هل سوريا مركزية أم لا مركزية؟ ولا حتّى: هل نأخذ بالنموذج اللبناني أم السويسري؟ السؤال الأولّى؛ هو من يملك حقّ الإجابة عن شكل سوريا المقبلة. فمجلس الشعب موجود، ومؤسسات الدولة تتشكل، والسلطة الانتقالية تمضي في بناء هيكلها، لكنّ التجربة السياسية نفسها ما زالت في طورِ التكوين، فيما بقيت مقاعد السويداء شاغرة عند تشكيل المجلس بسبب عدم إجراء الانتخابات فيها. وهنا يصبح سؤال السياسي اللبنان