لم يكن قرار مجلس شورى الدولة بإبطال تمديد ولاية مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان نهاية أزمة دار الفتوى. فالقرار الذي أسقط الأساس القانوني للتمديد، فتح عملياً الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها: من يدير الدار، وكيف تنتقل إلى انتخاب مفتٍ جديد؟ قانونياً، يتولى أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي شؤون دار الفتوى في مرحلة الشغور، إلى حين انتخاب مفتٍ جديد. وهو موقع لا يأتي نتيجة تسوية سياسية أو تفاهم مستجد، بل انطلاقاً من موقع أمين الفتوى وآلية تولي شؤون الدار عند شغور منصب المفتي. ولكن هنا تبدأ المشكلة. الكردي في الواجهة ومحاولات تجاوزه الكردي، الذي عُيّن أميناً للفتوى في بيروت بمرسوم عام 2009، ليس اسماً جديداً على المؤسسة؛ فمساره طويل بين إمامة الجامع العمري وإدارة الشؤون الدينية. لكن وجوده في رأس الدار، ولو مؤقتاً، يفتح الباب أمام فرضيات وتجاذبات سياسية إذا طال أمد المرحلة الانتقالية. وفي هذا السياق، تؤكد مصادر «المدن» وجود تخوف من محاولات للالتفاف على الأصول القانونية التي تفضي إلى تولي الكردي شؤون الدار، عبر اجتهادات أو مخارج قانونية تهدف إلى وضعه جانباً. ولا يتعلق الأمر برفض مبدأ انتخاب مفتٍ جديد، بل بمحاولة معرفة ما إذا كان يمكن الوصول إلى الانتخابات دون المرور بمرحلة يصبح فيها الكردي صاحب القرار الفعلي في إدارة الدار. في قلب هذه المفارقة، سيستعد الكردي لإدارة المرحلة المؤدية لانتخاب خلفه، وسط غياب مظلة إقليمية واضحة، إذ تؤكد مصادر متابعة عدم وجود نية مصرية لدعم الكردي في السباق نحو الإفتاء، وهو عامل لا يغير من واقعه الانتقالي لكنه يكرس طابع الاستحقاق اللبناني البحت. ومع غياب التوافق، قد ينتقل النقاش إلى مستوى أوسع من التشاور بين المرجعيات والشخصيات السنية لإنتاج اسم لا يفجر أزمة جديدة. وهنا تكمن صعوبة الاستحقاق؛ فالمطلوب ليس فقط انتخاب مفتٍ جديد، بل الوصول إلى شخصية قادرة على جمع الأصوات والتوافقات، ليبقى الكردي حكماً في مرحلة تقف فيها الدار بين احتمالين: مخرج سياسي سريع، أو معركة تبدأ من داخل الدار نفسها على من يديرها. بموازاة ذلك، تجري مراجع سياسية اتصالات مكثفة للبحث عن مخرج لتفادي هذا الاشتباك. وتقوم الصيغة المتداولة على تسريع المسار المؤسساتي المؤدي إلى الانتخابات، بحيث لا تتحول مرحلة تولي الكردي شؤون الدار إلى واقع طويل، ولا تدخل المؤسسة في سجال حول حدود صلاحياته. المخرج، إذا نضج، يفترض أن يبدأ من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى عبر الاجتماع لبحث تداعيات قرار شورى الدولة ودعوة الهيئات الناخبة. لكن هذه الطريق تصطدم بعقدة رئيسية: غياب أي اسم يحظى بتوافق سنّي واسع حتى الآن. أجواء الدار وسباق نحو التسوية بحسب مصادر "المدن"، أحدث القرار إرباكاً واسعاً داخل دار الفتوى، خصوصاً أن مفاعيله تجاوزت شخص دريان لتطال هيكلية الإدارة والأسماء المحتملة لدخول السباق على سدة الإفتاء. وفي حين تتكثف الاتصالات لاختبار صيغ تمنع انتقال الخلاف القضائي إلى نزاع داخلي، لا تبدو صورة الانتخابات ناضجة؛ فلا يوجد مرشح جامع، ولا تزال الأسماء المتداولة برسم التداول دون ترشيحات نهائية. قضائياً، حسم مجلس شورى الدولة جانباً أساسياً من النزاع عبر إبطال القرار رقم 55 الصادر عن المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى في 9 أيلول 2023، والذي نص على رفع سن نهاية ولاية المفتي من 72 إلى 76 عاماً. وقد استند الطعن إلى الإخلال بأصول صدور القرار والانتظام العام، لا بمضمون التفويض التشريعي فحسب. ومع تثبيت الشغور، انتقلت الأسئلة من «هل يستمر دريان؟» إلى آليات تولي الانتقال ومواعيد الانتخاب.