ينشغل العالم اليوم بمتابعة نذر المواجهة المتدحرجة مع إيران، وتتبارى التحليلات في حساب ضربات الردع وهوية من سينتصر أو يسقط أو يزول في الشرق الأوسط. لكن الحقيقة التي يتعامى عنها الجميع هي أن هذه الحرب، على فداحتها، ليست التهديد الوجودي الفعلي للنظام الدولي. التهديد الحقيقي، الذي قد يغير وجه الكوكب ويدفع الجميع ثمنه، يكمن في واشنطن تحديداً: في وصول السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى طريق مسدود تماماً. وهو انسداد يقود حتماً إلى مرحلة ابتزاز أميركي شامل للعالم لتمويل العجز. وربما يجدر بمن يريد أن يتقي الخطر المقبل، ألا يغرق في خنادق الشرق الأوسط، بل أن يحدّق في ما سيحدث داخل أمريكا رداً على أزمتها البنيوية المتفاقمة. لأن فواتير نجاة الإمبراطورية ستُجبى من جيوب الحلفاء والخصوم على السواء. الخلل الجذري يبدأ من طبيعة التضخم المعاصر. فهو ليس تضخماً عابراً ينتج عن فيض نقدي يلاحق بضائع كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل هو تضخم عنيد ومستحكم في عصب الحياة المادية. لقد ورث العالم من حقبة جائحة كوفيد تشوهات بنيوية عميقة في سلاسل الإمداد لم تُشفَ بعد، وأعقب ذلك انفجار طلب فيزيائي غير مسبوق على الكهرباء تقوده مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي تبتلع طاقة تعادل استهلاك دول بأكملها، في وقت استقر فيه النفط في صلب الاقتصاد المعاصر كاحتياطي عيني مواز لاحتياطي العملات، ولم يعد مجرد سلعة تخضع لمرونة الإحلال الكلاسيكية. يمكن للمستهلك أن يستبدل الخس بالخيار، أو لحم البقر بلحم الخنزير، لكن العالم بأسره -بشاحناته، ومصانعه، ومزارعه، ومطابخه، وخوادمه الرقمية- يحتاج إلى النفط والغاز والكهرباء كشرط أولي للوجود والتشغيل. محاولات إيجاد بدائل سريعة عن النفط تشبه في جوهرها محاولات إيجاد بدائل عن الدولار. يمكنك أن تنوع مدخراتك بقليل من الذهب أو اليورو، لكن ذلك لا يعني امتلاك القدرة على الاستغناء عن الشريان الذي يصفي المعاملات الكبرى. وحين ترتفع كلفة الطاقة ومدخلات التشغيل، يصبح التضخم مستعصياً وينتقل بالعدوى إلى كل شيء: من إنتاج السلعة ونقلها، إلى إيجارات المساكن، وحركة ازدهار المدن واستنزافها. في مواجهة هذه المعضلة المادية المركبة، يواصل الفيدرالي استخدام مطرقته الوحيدة، برفع الفائدة وخفضها، وما ينتج عن استخدام هذه المطرقة ليس أقل من تحويل الأزمة الاقتصادية إلى "أزمة معيشية" خانقة. فرفع الفائدة لا يستخرج برميلاً إضافياً من النفط، ولا يمد كابلاً كهربائياً لتغذية خوادم الذكاء الاصطناعي، ولا يحل أزمة رقائق وسفن وحاويات، بل يفرض ركوداً قسرياً، ويعطل انتقال الملكيات العقارية، ويجعل خدمة الدين العام تلتهم الموازنة بأرقام تفوق اليوم ميزانية البنتاغون نفسه. جوهر عجز الموازنة الفيدرالية لا يعود إلى إسراف ترفي، بل إلى التزامين سياديين لا يمكن التراجع عنهما: الإنفاق الإلزامي على رعاية المسنين والمتقاعدين والطبابة، والإنفاق العسكري الذي يمثل بوليصة التأمين لحرية الملاحة وسيطرة السندات. وهنا تكتمل الدائرة المغلقة: مكافحة التضخم برفع الفائدة تضخم كلفة الدين العام، وتعاظم الدين يضغط على التقديمات الاجتماعية، والتضييق يفاقم البؤس اليومي للمواطنين. والأرجح أن الخروج من هذه الدوامة يستلزم إعادة نظر في دور الدولة، وانتقالها من جابية ضرائب لتمويل إنفاقها إلى مؤسسة تحقق أرباحاً، يدعمها في سعيها هذا قدرتها على فرض القوانين والتشريعات المناسبة التي تمكنها من تحقيق ذلك. هذا التحول ممكن وقابل للتطبيق داخليا عبر تفكيك الأغلال البيروقراطية التي فرضتها القوانين السابقة، إذ يمكن تحرير مؤسسات الرهن العقاري الفيدرالية ("فاني ماي" و"فريدي ماك") من التبعية العمياء للفيدرالي، وإتاحة الفرصة لها للعمل كـ "فيدرالي اجتماعي مستقل" يحافظ على استقرار القروض السكنية وثروة الطبقة الوسطى بمعزل عن معارك السياسة النقدية العامة. ويمكن أيضا رفع القيد الصارم عن صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، التي تُجبر اليوم على شراء سندات خزانة محلية ذات عائد ميت لتُسجل كعبء دفتري على الدين العام. فإذا سُمح لهذه الصناديق بالاستثمار السيادي المدار في أصول حقيقية، أو شراء سندات حكومية أجنبية للاستفادة من فجوات الفائدة وعوائد العملات، فإنها ستتحول إلى ممول رابح يغطي التزامات المتقاعدين تلقائيا. وربما يكون الأمر الأكثر جدوى متعلقا بتسييل الفائض التقني الهائل للمؤسسة العسكرية. فالجيش الأميركي ينفق مليارات الدولارات على أبحاث وتطوير تنتج خوارزميات ومنظومات ومعدات اتصال ورادارات متقدمة، سرعان ما يتجاوزها الزمن أمنيا وعسكريا داخل البنتاغون، لكنها تظل قمة التكنولوجيا بالنسبة للسوق المدني والدولي. بهذا المعنى فإن إصدار تشريع ينشئ مؤسسة حكومية متخصصة تعنى بتسويق وترخيص كل ما يعفو عليه الزمن العسكري وبيعه تجاريا، قد