في زوايا بروكسل المضاءة، تدور اليوم معركة صامتة لا قعقعة فيها لصوت السلاح، بل هسيس خوادم وطنين رقاقات سيليكون. لم تعد التكنولوجيا مجرد رفاهية رقمية أو أرقام في البورصة، بل هي جوهر النفوذ الجيوسياسي في عالمنا المعاصر. وهنا تحديداً تجد أوروبا نفسها عالقة بين فخ بنيوي وطموح جامح لامتلاك السيادة التكنولوجية، واصطدام بارتهان رقمي للقطبين المهيمنين، واشنطن وبكين. وهذا الانكشاف ليس مجرد أزمة اقتصادية بل ثغرة في جدار الأمن للقارة الأوروبية. والسؤال الذي يطرحه الشارع الأوروبي اليوم هو: كيف لعملاق اقتصادي بهذا الحجم أن يتحول إلى تابع رقمي؟ فالقصة بدأت منذ اعتياد القارة على ثقافة الاستهلاك الجاهز، وإهمال خطوط الإنتاج الاستراتيجية لفترة طويلة. لسنوات خلت، استمتعت أوروبا بتبني الحلول الرقمية الجاهزة ولم تلتفت إلى التفكير في عواقب هذا الاعتماد، والنتيجة اليوم هي تبعية شبه مطلقة، إذ تشير البيانات إلى أن الشركات الأميركية مثل مايكروسوفت وأمازون وغوغل تسيطر على نحو 70% من سوق الحوسبة السحابية الأوروبية. هذا يعني أن بيانات الحكومات والمستشفيات والمصانع والشركات وحتى الجيوش الأوروبية، تخزّن وتعالج ضمن بنية تحتية تمتلكها شركات خاضعة للقوانين الأميركية. في المقابل، بنت الصين جدارها الرقمي وحققت استقلالاً كاملاً من خلال عمالقتها، مما ترك أوروبا تنوء تحت وطأة التبعية السحابية. ولا يتوقف الأمر عند السحابة الحوسبية، بل يتعداها إلى عصب الحياة الحديثة من أشباه الموصلات الكهربائية. ورغم أن أوروبا تمتلك شركة "ASML" الهولندية، وهي المصنّع الوحيد في العالم للآلات الفائقة اللازمة لطباعة الرقاقات المتقدمة، إلا أن القارة لا تمتلك المصانع الفعلية لإنتاج هذه الرقاقات التي يقل حجمها عن 2 نانومتر. هذا العجز يضع أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة التي تقود قطاع تصميم الرقاقات الفائقة والأكثر قيمة في العالم عبر "إنفيديا" و"إنتل"، وخلف الصين التي تهيمن على الإنتاج الضخم وتقفز سريعاً نحو الاكتفاء الذاتي. أمام هذا الانكشاف، شرعت بروكسل بخطة إنقاذ استراتيجية في هذه السنة، فأطلقت "حزمة السيادة التكنولوجية"، وهي عبارة عن مجموعة تشريعات تهدف إلى كسر قيود التبعية. وتشمل تحديث قانون الرقاقات الأوروبي وضخ استثمارات بمليارات اليوروهات لبناء مصانع محلية، وإطلاق مبادرات لإنشاء مصانع للذكاء الاصطناعي مستقلة عن النماذج الأميركية المهيمنة والتطبيقات الصينية المدعومة حكومياً. والهدف هو وقف النزيف المالي وتقليل الاعتماد على الخارج. فأوروبا تنفق سنوياً حوالي 264 مليار يورو لاستيراد الخدمات الرقمية. وتكمن المفارقة في أن هذه الأموال تذهب مباشرة لتمويل مراكز الأبحاث في واشنطن وبكين بدلاً من توطينها محلياً. وترى القيادة الأوروبية أن استرداد جزء من هذا الإنفاق وتوطينه يمثلان مسألة أمن قومي لا غنى عنها، خصوصاً في عالم تزداد فيه الحروب السيبرانية والهجمات الهجينة. إن صياغة القوانين شيء وتطبيقها على أرض الواقع شيء آخر تماماً، إذ يصطدم الطموح التشريعي بالجغرافيا السياسية والاحتياجات الأمنية الملحة. يظهر هذا التناقض بوضوح في القطاع الدفاعي والعسكري، فالقواعد الأوروبية الصارمة التي تهدف لحماية البيانات ومنع الشركات الأجنبية من السيطرة، قد تحرم الجيوش الأوروبية وحلف الناتو من استخدام السحابة الأميركية المتفوقة. وفي ساحات القتال الحديثة، السرعة هي كل شيء. والأنظمة الدفاعية الأوروبية لا تملك حالياً بديلاً محلياً قادر على معالجة أطنان البيانات بالسرعة والدقة التي توفرها التكنولوجيا الأميركية. هذا الواقع يدفع بعض القادة العسكريين للتساؤل: هل يختارون السيادة الرقمية ويخاطرون بالأمن الميداني أم يختارون الكفاءة العسكرية ويستمرون تابعين للخارج؟ إنه اختيار مرّ يوضح الفجوة بين عالم الابتكار الأميركي الموجه بالسوق المفتوح والأرباح، وبين العالم الأوروبي المقيد بالحذر. المشكلة الأخرى في العقيدة الأوروبية هي الهوس بالتنظيم على حساب الابتكار. فأوروبا برعت في أن تكون المشرّع الرقمي الأول في العالم، وأصدرت قوانين صارمة مثل "قانون الذكاء الاصطناعي". لكن هذه القوانين الصارمة والبيروقراطية المعقّدة أصبحت بمثابة حبل مشنقة يلتف حول أعناق الشركات الأوروبية الناشئة. وبينما يتحرك المستثمرون في أميركا بحرية يدعمها رأس المال الجريء، وتتحرك الشركات في الصين بتوجيه وتمويل مباشر من الدولة لخدمة مصالحها الاستراتيجية، تغرق الشركات الأوروبية في محيط من المعاملات الورقية والقيود الحمائية قبل أن تتمكن من تطوير منتج واحد. والنتيجة هي هجرة العقول والشركات الواعدة إلى بيئات أكثر مرونة، مما يفرغ القارة من مواهبها ويحرمها من امتلاك شركات تريليونية قادرة على مقارعة عمالقة الغرب والشرق. لا تقتصر المعضلة على النواحي التقنية