تبدو بيروت، من بعيد، مدينة لا تنام؛ شوارعها تضج بالحركة، وأحياؤها تختزن حكايات الناس وهمومهم، لكن خلف هذا المشهد الصاخب، تعيش العاصمة أزمات يومية تتسلل إلى تفاصيل الحياة من ازدحام يخنق الطرق، ونقل عام لا يلبي حاجات المواطنين المنهكين اقتصادياً، وأبنية تثير القلق على سلامة سكانها، وخدمات تتفاوت من حي إلى آخر، وأسئلة أمنية لا تغيب عن بال الأهالي. وبين هذه الملفات، يقف المواطن البيروتي ينتظر حلولاً لا تقتصر على الوعود، بل تلامس حياته وحقه في مدينة آمنة ومنظمة. وتابعت "المدن" هذا الملف مع عضو مجلس بلدية بيروت ورئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية جمانة الحلبي وشرحت أن "أبرز المشاريع هي تحسين البنى التحتية من مجارير وريغارات وأرصفة وشوارع وإنارة ومعالجة ملف نفايات وما إلى هنالك من أمور تهم العاصمة، أما بالنسبة إلى الجدول الزمني فهذا يتعلق بالإجراءات الإدارية ويتبع طريقة الشراء إذا كانت هناك مناقصة أو عروض أسعار أو أي طرق قانونية أخرى وأيضاً حسب حجم المشروع". أما عن خطط معالجة الأبنية التي تشكل خطراً على السلامة العامة تضيف: "بالنسبة للأبنية تُجري البلدية بالتنسيق مع الهيئة الهليا للإغاثة ونقابة المهندسين مشاورات دائمة وحثيثة لمعالجة الأبنية الآيلة للسقوط، أو التي هي بحاجة لترميم وسيستند ذلك إلى كشف هندسي ومسح كما أن وزارة الاشغال والتنظيم المدني هما من يختصان بالمباني وملفاتها". تتابع: "بالنسبة للنقل العام تتعاون البلدية مع وزارة الداخلية بشكل دائم كما تعمل البلدية بالتعاون مع مشروع "سيما" على تنظيم وقوف الباصات تحت جسر الكولا للوصول إلى تنظيم النقل العام بشكل نهائي، والذي هو من ضمن عمل وزارة الأشغال، وتتعاون البلديات مع الوزارات المختصة حسب المشاريع وحجمها. أما بالنسبة إلى الشكاوى فأرى ضرورة وجود خط ساخن لتلقي الشكاوى ومعالجتها بشكل فوري والتحسن يتم تدريجياً لأن المعالجة تتم عبر إصلاح البنى التحتية والحفر ومعالجة موضوع النفايات". أما في الشق الإنساني فترى الحلبي ضرورة تأمين التعليم للجميع، وتقديم مساعدات مالية من خلال منح وحسومات في الجامعات اللبنانية الوطنية، وتوفير الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة والنساء وكبار السن وهي من ضمن الفريق البلدي الذي يعمل على توفير الأفضل لأبناء مدينة بيروت. الكلفة البيئة والاقتصادية بالأرقام وفي دراسة سابقة أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت تبين أن البنك الدولي يقدر أن التكلفة الاقتصادية للازدحام المروري واختناق السير في لبنان الذي يتركز في بيروت ومداخلها، تلتهم ما بين 5 إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً. أما عن التلوث البيئي، فيُعد النقل ثاني أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة وتلوث الهواء في لبنان بنسبة التي تبلغ 25% من إجمالي الانبعاثات، ما يجعل بيروت تسجل معدلات مرتفعة من تلوث الهواء الناجم عن عوادم السيارات الفردية المتكدسة في شوارعها وضواحيها. كما كشفت الدراسات السكنية عن الأسر المقيمة في بيروت أن 85% من تكاليف الإيجارات والخدمات الأساسية للأبنية تستحوذ على مجمل دخل الأسرة، وقد تصاعدت هذه النسبة لتصل إلى 100% في الأحياء الأكثر هشاشة والفقيرة بسبب تدهور القدرة الشرائية. وقد سُجل دمار كلي لخمسين ألف وحدة سكنية وتجارية جراء العمليات العسكرية بين عامي 2024 و2025، بينها 9000 وحدة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت وحدهـا، بالإضافة إلى تضرر أكثر من 317 ألف وحدة بشكل جزئي أو طفيف. ومع دخول لبنان في الانهيار المالي الشامل، توقفت قروض الإسكان المدعومة بنسبة 100%، ما جمد قدرة الشباب والطبقات الوسطى على التملك أو ترميم الأبنية المتداعية، وما زالت العاصمة تكافح لترميم معالمها الأثرية والقديمة؛ حيث تضرر سابقاً ما لا يقل عن 8 آلاف مبنى جراء انفجار المرفأ، منها نحو 640 مبنى تراثياً لا يزال بعضها يعاني تصدعات هيكلية تهدد سلامتها العمرانية مع غياب التمويل الكافي للترميم المستدام. في النهاية، لا تحتاج بيروت إلى مزيد من الوعود بقدر ما تحتاج إلى قرارات تُترجم على الأرض، وإلى إدارة تضع حاجات أهلها في صلب أولوياتها. فالنقل العام ليس ترفاً، وسلامة الأبنية ليست ملفاً إدارياً عابراً يمكن تأجيله، والأمن ليس مسؤولية المواطن وحده، والخدمات الأساسية ليست امتيازاً يُمنح عند توافر الظروف أو تبعاً للأهواء الشخصية والمزاج العام، بل حقوق يفترض أن تصونها الدولة. وبين أزمة وأخرى، يبقى السؤال عن مصير العاصمة أكبر من تفاصيل الشوارع والأحياء: من يتحمل مسؤولية هذا التراكم، ومن يحاسب على التأخير، ومتى تنتقل بيروت من دائرة الوعود إلى مسار الحلول؟ فالعاصمة التي تحتضن مؤسسات الدولة لا يجوز أن يبقى أهلها ينتظرون حضورها في أبسط تفاصيل حياتهم. بيروت لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب أن تكون أولوية في القرار، لا بنداً مؤجلاً على جدول الأزما