في العلاقات الدولية، لا توجد دولة صغيرة تستطيع إلغاء ميزان القوة، لكنها تستطيع أحياناً أن تعيد توزيع عناصر القوة، بحيث يصبح الاعتداء عليها أكثر كلفة مما يبدو على الخريطة. هنا يبدأ مفهوم الردع غير التقليدي: الاقتصاد، الجغرافيا، الدبلوماسية، التحالفات، المؤسسات الدولية، وهو ما يُعرف بـ "أمن الشبكات"، من خلال القدرة على تحويل أي اعتداء إلى مشكلة تتجاوز حدود الدولة المستهدفة. لكن الخطر يكمن عند الخلط بين تنويع أدوات الردع، وبين الاستغناء عن الردع التقليدي نفسه. دولة فنلندا خلال الحرب الباردة تقدم المثال الأفضل للدمج بين الأسلوبين. فهي لم تكن دولة منزوعة القدرة العسكرية، بل احتفظت بجيش وقدرة دفاعية قوية، بالتوازي مع سياسة حياد وبراغماتية تجاه الاتحاد السوفياتي. كان جوهر المعادلة أن تجعل فنلندا كلفة احتلالها أو إخضاعها أعلى من أن تكون مغرية، مع تجنب استفزاز قوة أكبر منها. الحياد، في هذه الحالة، لم يكن بديلاً عن القوة، بل طريقة لإدارتها. سنغافورة من جهتها، طورت صيغة مختلفة. الدولة الصغيرة، المحاصرة جغرافياً والمفتوحة اقتصادياً، بنت أمنها على الردع والدبلوماسية معاً، وعلى تحويل الاقتصاد والعلاقات الدولية إلى طبقات إضافية من الحماية. لكن المفارقة الأساسية أن سنغافورة لا تراهن على الآخرين للدفاع عنها. وزارة دفاعها تقول بوضوح إن مسؤولية الدفاع تقع على عاتق السنغافوريين، وإن الدولة لا تفترض أن الآخرين سيأتون لإنقاذها إذا تعرضت لإعتداء. في المقابل، المراهنة على الشبكات والتعهدات الدولية، من دون ردع وطني كاف معها، لها سابقة أشد قسوة. في العام 1994 تخلّت أوكرانيا عن ترسانتها النووية الموروثة عن الاتحاد السوفياتي مقابل تعهدات أمنية دبلوماسية من روسيا وأميركا وبريطانيا بموجب مذكرة بودابست، أي أنها استبدلت الردع بالضمانة. والنتيجة معروفة: ضم شبه جزيرة القرم في العام 2014، ثم الغزو الشامل في العام 2022. الفارق بين فنلندا وسنغافورة من جهة، وأوكرانيا من جهة أخرى، ليس في وجود الشبكات الدولية، بل فيما إذا كانت هذه الشبكات تكمّل قوة وطنية قائمة أم تحلّ محلها. وهنا تحديداً تبدأ المقارنة اللبنانية. لبنان اختار، على مدى عقود، الاعتماد بدرجة كبيرة على عناصر خارجية لتعويض فجوة الردع: القرارات الدولية، قوات حفظ السلام، الوساطات، وآليات وقف النار. وكانت اليونيفيل، منذ 2006، إحدى أهم هذه الطبقات. لكن وظيفتها لم تكن خوض حرب دفاعية عن لبنان، بل مراقبة وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش اللبناني، والإسهام في تطبيق القرار 1701. اليوم يدخل هذا النموذج مرحلة الاختبار الحاسم. فقد قرر مجلس الأمن في القرار 2790 أن تكون سنة 2026 الموعد النهائي لعمليات اليونيفيل، على أن يبدأ انسحابها بشكل تدريجي ليكتمل في العام 2027، بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب. والنقاش يدور الآن حول إيجاد بديل لهذه القوة إذا تعذر التمديد لها مجدداً. هل يستطيع لبنان تحويل الاقتصاد والعلاقات الدولية إلى بديل عن القوة؟ الاقتصاد يمكن أن يصنع مصالح دولية في استقرار لبنان، والدبلوماسية يمكن أن ترفع كلفة الاعتداء، والشرعية الدولية يمكن أن توفر غطاءً سياسياً وقانونياً. لكن هذه الأدوات لن تعمل بشكل كاف إلا عندما تكون مدعومة بمؤسسات وطنية قادرة على حماية الأرض. لذلك فإن «الردع بالشبكات» ليس بديلاً عن الدولة، بل داعماً لقوتها. أما حين تستخدم الشبكات الدولية لسد غياب القدرة الوطنية، فإنها تتحول من إستراتيجية ردع إلى إدارة مؤقتة للأزمات. ولبنان اختبر هذا النموذج فعلياً منذ نهاية 2024، عبر لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية المعروفة بـ"الميكانيزم"، التي تضم أميركا وفرنسا وإسرائيل ولبنان إلى جانب اليونيفيل، هذه اللجنة نموذج حيّ لـ"الردع بالشبكات": أداة دبلوماسية - أمنية مختلطة ترفع كلفة الخرق، لكنها لا تغني بذاتها عن قوة رادعة على الأرض، والدليل الواقع الذي وصل اليه الوضع الميداني في الجنوب حاليا. المشكلة في لبنان ليست في وجود قوات دولية أو عدمه، بل في تحميل هذه القوة وظيفة لا تستطيع القيام بها إلى ما لا نهاية: أي أن تكون بديلاً عن الردع الوطني. وثمة من يطرح أن لبنان يملك فعلاً بديلاً جاهزاً للردع الوطني: سلاح حزب الله. لكن هذا الطرح يصطدم بنقطة ضعف لا علاقة لها بالفعالية العسكرية للسلاح بحد ذاته: هذا السلاح لم يعد يحظَ بإجماع لبناني، بل بات مثار انقسام عميق حول شرعيته وحدود قراره، وأين ومتى يمكن استخدامه. والردع الوطني، بمعناه الدقيق، يفترض جهة وطنية واحدة جامعة تحتكر القرار وتتحمل مسؤوليته امام شعبها وامام المجتمع الدوليً، فإذا كان مصدر القوة نفسه موضع خلاف وطني، فإنه يتحول من عنصر ردع إلى أداة انقسام يُضعف قدرة الدولة على استقطاب الغطاء والدعم الد