تبدو التحركات الأخيرة التي قادها رئيس الحكومة نواف سلام في العاصمة الأميركية في سباق ساخن مع التعقيدات المتزايدة في المشهد الميداني جنوباً، خصوصاً بعد انكشاف التحول الجوهري في إدارة واشنطن لمسار التفاوض بين بيروت وتل أبيب. ففيما كان لبنان يطالب الإدارة الأميركية بممارسة ضغط يُلزم إسرائيل بتطبيق اتفاق الإطار والانسحاب من نطاقات تجريبية جديدة، جاءه الرد من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بمعادلة مشروطة ومحبوكة بدقة: مطلوب من لبنان تنفيذ خطوات عملانية في ملف نزع سلاح حزب الله، كشرط مسبق لأي انسحاب إسرائيلي جديد. وهذه المعادلة تنقل واشنطن من دور الضامن لانسحاب إسرائيل، كما يريدها لبنان، إلى موقع الضاغط على السلطة اللبنانية، عبر وضعها أمام امتحان داخلي تعجز عن تنفيذه. وتستعد واشنطن لرعاية جلسة تفاوضية مقترحة في مدينة تامبا، في ولاية فلوريدا، حيث مقر القيادة المركزية الأميركية، قبل أيام معدودة من الانتخابات الإسرائيلية في 27 الجاري. وفيما ينطوي هذا الاجتماع المباغت على مأزق حقيقي للبنان بسبب الإرباك في التعاطي مع ملف السلاح، يُوفر لبنيامين نتنياهو ورقة أمنية واستعراضاً تفاوضياً يخدم حملته الانتخابية في اللحظات الأخيرة. وتسعى المقاربة الأميركية في تامبا إلى إلزام الجانب اللبناني بتنفيذ تعهدات تفكيك بنية حزب الله العسكرية. وسيقود عجز الدولة عن الإيفاء الفوري إلى منح تل أبيب ذريعة للقول إن لبنان هو الذي لا يلتزم ببنود الاتفاق. وتحاول تل أبيب جعل المفاوضات محصورة في إدارة ترتيبات المناطق التجريبية فقط، فيما هي تعمّق عمليات الجرف والتفجير في العديد من البلدات، كالمنصوري وزوطر ومجدل زون، معلنةً في الوقت ذاته سحب لواء غولاني من خطوط التماس الرسمية، في سياق تبديل بديهي للقوات، مقابل تثبيت احتلال طويل الأجل. غير أن ملف العلاقة بين دمشق وحزب الله دخل بدوره على خط التطورات، بعدما كشفت وكالة "رويترز"، نقلاً عن ستة مصادر مطلعة، عن اجتماع مباشر جمع مسؤولين من الحكومة السورية وممثلين عن الحزب في تركيا الشهر الماضي، وقالت إنه تناول مخاوف أمنية متبادلة. إلا أن وزارة الخارجية السورية نفت لاحقاً صحة التقارير عن وجود اتصالات أو لقاءات مع حزب الله، مؤكدةً أن العلاقة مع لبنان تتم عبر المؤسسات الشرعية. وبذلك بات الحديث عن قناة تواصل سورية-حزبية محكوماً بروايتين متعارضتين، في توقيت تعود فيه الحدود بين البلدين إلى واجهة المشهد الأمني. ففي تطور أمني لافت، أعلن الجيش اللبناني ضبط نحو 245 كلغ من مادة الـTNT الشديدة الانفجار، وأربع عبوات ناسفة، وثمانية مفجّرات، وأسلاك خاصة بالتفجير، أثناء محاولة تهريبها من الأراضي السورية إلى لبنان. وأوضح أن المهربين فرّوا باتجاه الأراضي السورية مع وصول الدورية، فيما تتواصل المتابعة لتوقيف المتورطين. وفي موازاة ذلك، بحث الرئيس جوزاف عون مع السفير الأميركي السابق في لبنان ريان كروكر ووفد أميركي تطورات الجنوب ومسار اتفاق الإطار وعدم التزام إسرائيل بمندرجاته. كما يستعد سلام لزيارة النبطية غداً في جولة على عدد من المراكز والمرافق الرسمية، في وقت جال القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة جان أرنو في صيدا والنبطية، وعاين الأضرار وواقع الحياة في المدينة. وعلى المستوى الداخلي، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري اللجان النيابية المشتركة إلى جلسة الثلاثاء لدرس اقتراح إنشاء نظام رعاية صحية أولية شاملة إلزامية. كما دعت قيادة الجيش العسكريين الفارين والمسرحين بسبب الفرار إلى استكمال تسوية أوضاعهم القضائية أمام المحكمة العسكرية. وفي موازاة المفاوضات والتصعيد، يزداد القلق من مرحلة ما بعد "اليونيفيل". فقد حذر رئيس عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة جان بيير لاكروا من أن رحيل القوة الدولية في الظروف الراهنة، من دون ترتيبات دعم بديلة وقوية، سيخلق فراغاً أمنياً كبيراً في الجنوب. وأكدت "اليونيفيل" أنها تواصل مراقبة التطورات واستخدام قنوات الارتباط لمنع التصعيد، إلى جانب المساهمة في فتح الطرق وتحييد مخاطر الذخائر والمتفجرات. ويضع هذا التحذير ملف القوة البديلة في قلب التفاوض المقبل، خصوصاً أن أي فراغ أمني سيتزامن مع استمرار العمليات الإسرائيلية واتساع رقعتها، ومع محاولة الدولة تعزيز حضور الجيش جنوباً في ظل ضغط أميركي متزايد لربط أي انسحاب إسرائيلي إضافي بخطوات في ملف السلاح. ميدانياً، لم توحِ التطورات بأي انتقال نحو التهدئة. فقد نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات كبيرة وقصفاً مدفعياً في عدة بلدات جنوبية، فيما شُنّت غارات على المنصوري والمدينة الكشفية في زوطر الشرقية والمنطقة الواقعة بين ميفدون وزوطر، بالتزامن مع تحرك آليات وتحليق مسيّرات على علو منخفض. وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو هاجم خلال الشهر الأخير أكثر من 370 هدفاً ق