لم تعد حادثة استهداف طائرة إماراتية كانت في طريقها إلى إسرائيل مجرد ملف أمني عابر، بل تحولت إلى اختبار سياسي حساس لشكل العلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية، وسط فارق واضح بين تطبيع معلن ومؤسساتي مع أبوظبي، وتعاون أكثر حذرًا وسرية مع الرياض. وفي مقال تحليلي نشره الدكتور يوئيل غوزانسكي في القناة 12 الإسرائيلية، رأى أن محاولة استهداف الطائرة الإماراتية تمس مباشرة بأحد أبرز إنجازات "اتفاقات أبراهام"، والمتمثل في تحويل العلاقات بين إسرائيل والإمارات من خطوة سياسية إلى واقع يومي، معتبرًا أن الحادث يجب أن يتحول من لحظة تهديد إلى فرصة لتعزيز العلاقات. وأشار غوزانسكي إلى أن الرحلات الجوية بين الجانبين تمثل أحد أكثر المؤشرات وضوحًا إلى التحول الذي بدأ منذ عام 2020، بعدما أصبح انتقال السياح ورجال الأعمال والعائلات بين تل أبيب وأبوظبي ودبي جزءًا من الحياة اليومية، بعدما كان أمرًا يصعب تصوره في السابق. وبرأيه، فإن استهداف رحلة من هذا النوع لا يستهدف الطائرة وحدها، بل يضرب أيضًا حالة الاعتياد والشعور بالأمان التي سمحت بتطور العلاقة بين الجانبين. ومن هنا، يرى غوزانسكي أن الرد المناسب يجب ألا يكون تقليص الرحلات أو العلاقات، بل العكس تمامًا. وقال إن الهدف، إذا كان يتمثل في ردع الإسرائيليين عن السفر إلى الإمارات وخلق ضغط لتقليص العلاقات، فلا ينبغي السماح للحادث بتحقيق هذا الهدف، بل يمكن لإسرائيل والإمارات استخدامه لتطوير إجراءات أمن الطيران وتعزيز الآليات المشتركة التي تحمي العلاقة بينهما. لكن الحادث، بحسب التحليل، أظهر في الوقت نفسه مدى اختلاف المشهد مع السعودية. فمن جهة، وجدت الطائرة الإماراتية التي كان على متنها إسرائيليون ملاذًا داخل الأراضي السعودية عندما تعرضت للخطر، إلا أن الرياض، من جهة أخرى، لم تسمح لطائرات إسرائيلية بالهبوط في أراضيها لإجلاء الركاب. ويرى غوزانسكي أن الجمع بين هاتين الواقعتين يلخص بصورة دقيقة طبيعة العلاقات الإسرائيلية – السعودية في المرحلة الراهنة. فتحت السطح، بحسب تحليله، توجد علاقات وقنوات اتصال ومصالح مشتركة، كما توجد عند الضرورة قدرة على اتخاذ خطوات عملية. لكن عندما يهدد هذا التعاون بالخروج إلى العلن وتقديم صورة عن تعاون مكشوف مع إسرائيل، تبقى الحساسية السعودية مرتفعة جدًا، ما يجعل المسافة بين التواصل الهادئ خلف الكواليس والتطبيع العلني كبيرة حتى الآن. واعتبر أن استعداد الرياض لمساعدة طائرة إماراتية تحمل إسرائيليين، مقابل رفضها السماح لطائرات إسرائيلية بالوصول إلى أراضيها، يقدم نموذجًا واضحًا للخط الذي لا تزال السعودية تضعه أمام العلاقة. ومن هنا، يحذر غوزانسكي من محاولة إسرائيل استثمار الحادث كـ"دليل" على اقتراب التطبيع مع السعودية. ويرى أن الاحتفاء الإسرائيلي بالهبوط في السعودية قد يسبب إحراجًا للرياض ويضر تحديدًا بالمساحات التي يجري فيها تقدم هادئ بعيدًا عن الأضواء. وبحسب تحليله، من الأفضل الاعتراف بالمساعدة السعودية وفهم القيود التي تتحرك الرياض ضمنها، والاستمرار في تعزيز قنوات الاتصال غير العلنية. وفي الحالة السعودية، يقول غوزانسكي إن السرية "ليست عائقًا أمام العلاقات، بل هي إلى حد كبير شرط لاستمرارها"، على الأقل في المرحلة الحالية. وهنا يكمن، وفق المقال، الفارق الأساسي بين الإمارات والسعودية. فمع الإمارات، يوجد بالفعل تطبيع مؤسساتي وعلني، وبالتالي يتمثل التحدي في حمايته وتعميقه ومنع محاولات الترهيب من دفع الطرفين إلى التراجع. أما مع السعودية، فالتحدي مختلف، ويتمثل في الحفاظ على ما هو قائم وتوسيعه تحت الرادار، من دون مطالبة الرياض بتحويل هذا المسار فورًا إلى علاقة معلنة قد يصعب عليها تحمل كلفتها سياسيًا. ويرى غوزانسكي أن الدرس الأوسع يتمثل في أن مسار التطبيع في الشرق الأوسط ليس خطيًا، بل يتقدم بسرعات وأشكال مختلفة. فاتفاقات السلام قد تُوقَّع في احتفالات رسمية، إلا أن متانة العلاقات، بحسب رأيه، تُختبر فعلًا في أوقات الأزمات. ويرى أن الجهة التي حاولت استهداف الطائرة سعت على الأرجح إلى تحويل العلاقة مع إسرائيل إلى مصدر خطر، وإظهار أن التطبيع يحمل ثمنًا، في حين تكمن المصلحة الإسرائيلية في إنتاج النتيجة المعاكسة. ومع الإمارات، يعني ذلك تعميق العلاقة وتحويل محاولة استهدافها إلى أداة لتعزيزها، بينما يعني في الحالة السعودية إدراك الفارق بين التعاون الهادئ والتطبيع المكشوف، وترك الثقة تتراكم تدريجيًا. ويخلص غوزانسكي إلى أن الرد الأكثر فاعلية على محاولة ضرب مسار التطبيع هو إثبات أن هذه العلاقات لا تستطيع فقط النجاة من الأزمات، بل يمكن أن تخرج منها أكثر قوة. وغوزانسكي متخصص في شؤون دول الخليج وباحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي "INSS" في جامعة تل أبيب، وسبق أن خدم في