بعد أكثر من عقد على الاستفتاء الذي قاد بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، عاد ملف "بريكست" إلى قلب النقاش السياسي في لندن، بعدما فتح رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام الباب أمام احتمال العودة الكاملة إلى الاتحاد، في خطوة أثارت عاصفة داخلية وقوبلت بترحيب أوروبي مشروط، يتقدمه تحذير فرنسي واضح من محاولة الحصول على مزايا العضوية من دون الالتزام بقواعدها. وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع "القناة 12" الإسرائيلية، دعا برنهام إلى إعادة النظر في العلاقة طويلة الأمد بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك احتمال العودة الكاملة إلى التكتل، مؤكدًا موقفه السابق بأن "بريكست" ألحق ببريطانيا أضرارًا أكثر مما حقق لها من فوائد. وكان برنهام قد دعم بقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي خلال استفتاء عام 2016. وفي خطاب أمام مؤتمر حزب العمال، قال إن على بريطانيا دراسة مختلف الخيارات المتاحة أمامها خلال السنوات المقبلة لإعادة رسم علاقتها مع الاتحاد الأوروبي. وبرأيه، لم يحقق الخروج من الاتحاد الوعد الذي رفعه أنصار "بريكست" بـ"استعادة السيطرة"، بل أدى، وفق موقفه، إلى إضعاف البلاد، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي وفي التعامل مع مستويات الهجرة المرتفعة. وبرنهام لم يطرح في المرحلة الحالية تنظيم استفتاء جديد، بل دعا إلى فتح نقاش أوسع في إطار خطة تمتد لـ10 سنوات. وفي مقابلة مع "BBC"، عدّد رئيس الوزراء البريطاني عدة سيناريوهات محتملة، تبدأ بالإبقاء على الوضع الحالي كما هو، مرورًا بالعودة إلى السوق الأوروبية الموحدة أو الاتحاد الجمركي، وصولًا إلى احتمال "الذهاب حتى النهاية" واستعادة العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي. وعندما سُئل عما إذا كان حزب العمال قد يضع مستقبلًا في برنامجه الانتخابي إجراء استفتاء جديد يمنح البريطانيين خيار العودة إلى الاتحاد أو البقاء خارجه، لم يستبعد برنهام هذا الاحتمال. وقال إن "الأمور ممكنة"، لكنه شدد على أن قرارًا من هذا النوع لا يزال بعيدًا، وأن الأولوية في المرحلة الحالية هي دراسة الخيارات المتاحة ومعرفة الاتجاه الذي يميل إليه الرأي العام البريطاني. وأثارت تصريحات برنهام ردود فعل إيجابية لدى عدد من القادة الأوروبيين، لكنها رافقت أيضًا بتحذيرات واضحة بشأن الشروط التي قد تحكم أي محاولة بريطانية للعودة. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي ستكون "أخبارًا جيدة جدًا"، فيما أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن بلاده ستستقبل بريطانيا مجددًا "بأذرع مفتوحة". لكن ماكرون استغل المناسبة أيضًا لتوجيه رسالة مباشرة إلى لندن، مفادها أن بريطانيا لا تستطيع البقاء خارج الاتحاد ثم اختيار الأجزاء التي تناسبها من مزايا العضوية. وقال: "لا يمكنكم الاختيار كما تشاؤون بين حريات الاتحاد، ولا يمكنكم أن تقرروا أخذ ما يناسبكم فقط ورفض الباقي". وأعادت تصريحات الرئيس الفرنسي التذكير بالخلافات الطويلة التي شهدتها العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في السنوات التي أعقبت استفتاء الخروج، وخصوصًا حول الشروط والقواعد التي ستخضع لها لندن بعد "بريكست". ومن المتوقع أن يحصل النقاش على دفعة إضافية في تشرين الثاني المقبل، عندما يشارك برنهام في قمة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بعدما كانت مقررة في تموز قبل أن تؤجل عقب استقالة كير ستارمر. وقال برنهام إنه يريد استخدام القمة لدفع المحادثات المتعلقة بدعم الصناعات البريطانية وملف الهجرة. وأشار إلى أن تحسين وصول بعض القطاعات البريطانية إلى السوق الأوروبية قد يتطلب من بريطانيا القبول بجزء من قواعد الاتحاد، وهو ما يدفعه، بحسب قوله، إلى ضرورة معرفة ما إذا كان الجمهور البريطاني مستعدًا لدعم خطوة من هذا النوع. ويكتسب موقف برنهام أهمية إضافية بالنظر إلى تعهداته السابقة بمواصلة سياسة حكومة ستارمر التي انتُخبت عام 2024، والتي تضمنت البقاء خارج الاتحاد الأوروبي والسوق الموحدة والاتحاد الجمركي وحرية التنقل. كما أن برنهام، خلال الحملة الانتخابية التي أعادته إلى البرلمان، تعهد بعدم إعادة فتح معارك "بريكست"، ولم يطرح في حينه فكرة أن تعيد بريطانيا النظر في العودة إلى الاتحاد. ولهذا، أشعل فتح الملف مجددًا موجة اعتراض حادة في الداخل البريطاني. واتهم حزب "الإصلاح"، بزعامة نايجل فاراج، أحد أبرز الداعمين التاريخيين لـ"بريكست"، برنهام بمحاولة إعادة بريطانيا إلى بروكسل "من الباب الخلفي". كما اتهم المحافظون رئيس الوزراء بمحاولة إعادة فتح الجروح والصراعات التي رافقت سنوات "بريكست". وفي المعسكر المقابل، دعا زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي برنهام إلى الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، والبدء فورًا بمفاوضات للتوصل إلى اتفاق يقرب بريطانيا بصورة أكبر من الاتحاد الأور