دقائق قليلة كانت كفيلة بوضع القيادة الإسرائيلية أمام واحد من أقسى السيناريوهات الأمنية التي يمكن تصورها: طائرة "فلاي دبي" تقل نحو 170 راكبًا، غالبيتهم إسرائيليون، تختفي عن شاشات الرادار بعد إرسال رمز يدل على خطف، فيما تُطرح في الغرف الأمنية فرضية توجهها نحو إسرائيل لتنفيذ هجوم على طريقة 11 أيلول، ومعها السؤال الأصعب: هل تُسقط الطائرة بمن فيها لمنع كارثة أكبر على الأرض؟ وبحسب تقرير للصحافي ماتي توخفيلد، نُشر تمهيدًا لمقاله الكامل في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن الدقائق التي اختفت خلالها رحلة "فلاي دبي" عن الرادار شكّلت واحدة من أكثر اللحظات الأمنية دراماتيكية التي عاشتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة. وبدأت حالة الاستنفار عندما أرسلت الطائرة رمز الطوارئ 7500، وهو الرمز الدولي المستخدم للإشارة إلى احتمال تعرض الطائرة للخطف، قبل أن تختفي عن شاشات الرادار فوق الأجواء السعودية. وعندها، وفق التقرير، أدركت الجهات الإسرائيلية أن حدثًا استثنائيًا يجري، وعلى الفور وُضع أمام المسؤولين السيناريو الأكثر تطرفًا: أن تكون الطائرة المخطوفة، وعلى متنها نحو 170 راكبًا، معظمهم إسرائيليون في طريق عودتهم إلى بلادهم، لا تتجه إلى السقوط في الصحراء السعودية، بل تواصل طريقها نحو المجال الجوي الإسرائيلي لتنفيذ هجوم على نمط هجمات 11 أيلول. وتضمنت السيناريوهات احتمال أن تصطدم الطائرة عمدًا ببرج مكتظ في وسط تل أبيب، أو باستاد مليء بالجمهور، أو بمبنى حكومي، بما يعني أن الركاب الموجودين على متنها قد يتحولون في تلك اللحظة إلى ضحايا ضمن كارثة أكبر، فيما قد يسقط على الأرض مئات المصابين أو أكثر. وهنا، بحسب التقرير، طُرحت المعضلة التي لا يُفترض بأي شخص أن يواجهها، والتي كان القرار النهائي فيها سيقع على عاتق شخص واحد هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: هل يعطي الأمر للطائرات الحربية التابعة لسلاح الجو، التي كانت قد أُطلقت بالفعل، لاعتراض طائرة مليئة بإسرائيليين، بينهم آباء وأطفال وعائلات كاملة، وإسقاطها لمنع كارثة أوسع على الأرض، أم يمتنع عن اعتراضها ويجازف باحتمال سقوطها في قلب مدينة إسرائيلية؟ ويصف التقرير تلك اللحظات بأنها امتدت وسط مراجعة أمنية وسيناريوهات مختلفة، مع إدراك متزايد بأن أي قرار كان سيصدر سيكون غير قابل للتراجع. وكان على متن الرحلة 174 راكبًا عندما أقلعت صباح الأربعاء من دبي باتجاه تل أبيب، قبل أن تتحول خلال دقائق من رحلة عادية إلى حادث بالغ الخطورة. وبحسب الروايات الواردة في التقرير، سُمعت صرخات من قمرة القيادة، وتعرض قائد الطائرة للطعن، فيما دخلت الطائرة في هبوط حاد واندلع صراع داخل القمرة، ما دفع 4 ركاب إسرائيليين إلى التحرك بسرعة والمساعدة في السيطرة على مساعد الطيار العُماني. وقالت إفادات الركاب إن إحدى المسافرات سمعت صرخات من قمرة القيادة فاستنجدت بركاب كانوا يجلسون بالقرب منها، ومن بينهم يانيف حيون وأساف رجوان وتسفيكا مانس وطبيب الأسنان شوتا موسييف. وتولى كل واحد منهم دورًا مختلفًا خلال الحادث، إذ قام حيون بسحب المهاجم من قمرة القيادة وحاول تثبيت الطائرة، فيما ساعد رجوان ومانس في السيطرة عليه وتقييده، بينما تولى موسييف معالجة قائد الطائرة الذي أصيب بجروح خطرة. ووصل يانيف حيون لاحقًا إلى إسرائيل وقميصه ملطخ بالدماء، إلا أنه أكد أنه لم يكن مصابًا. وخلال حديث مع نتنياهو، قال حيون إن باب قمرة القيادة لم يكن مغلقًا، وإن تقديره هو أن قائد الطائرة الهندي سميث ماتشاتشار نجح في فتحه قبل انهياره. وقال: "كان الطيار الرئيسي قريبًا جدًا من الباب، وهذا صعّب علينا فتحه. استنتاجي أنه نجح في فتحه لنا قبل أن ينهار، برباطة جأش كبيرة". وأضاف أنه بعد دخوله إلى قمرة القيادة شاهد مساعد الطيار العُماني بين المقاعد. وقال: "كان يحاول تدمير الأجهزة لتعطيل الطائرة. أمسكت بالمهاجم وخنقته وسحبته إلى الخارج. ناديت الشباب الإسرائيليين وثبتناه". وفي وقت كانت فيه الطائرة تواصل فقدان الارتفاع، عاد حيون إلى قمرة القيادة وحاول المساعدة في تثبيتها. وقال: "أنا أشاهد برنامج 'تحقيقات الطيران'، فسحبت المقود وبدأت الطائرة تستقر. بعد ذلك قال لي الطيار الذي كان على متن الطائرة إنه سيتولى السيطرة". وبحسب روايته، دخل طياران إضافيان من "فلاي دبي" كانا على متن الرحلة إلى قمرة القيادة، وتوليا السيطرة على الطائرة حتى الهبوط. وأضاف حيون: "بفضل أطفالي أعتقد أنني تصرفت بالطريقة التي تصرفت بها". أما أساف رجوان، صاحب وكالة تأمين وهاوٍ للتنس، فكان عائدًا من عطلة في تايلاند عندما وجد نفسه، بحسب وصفه، داخل "فيلم رعب". وقال: "كانت تجربة تهز الإنسان. الأمر تمامًا كما في الأفلام، لم أتخيل أن شيئًا كهذا يمكن أن يحدث في الواقع". وأضاف: "تصرفنا جميعًا برباطة جأش. قررنا أن نكون أو لا