وطن-من تلة حنية في جنوب لبنان، لا يحتاج سكان المنصوري إلى شاشات الأخبار لمعرفة ما يحدث في قريتهم. يكفي أن يرفعوا أعينهم نحو الجهة المقابلة حتى يروا الدخان يتصاعد، والآليات تتحرك بين الأنقاض، وبيوتاً عرفوها لعقود تختفي واحداً تلو الآخر. هناك، على مسافة نحو تسعة كيلومترات جنوب مدينة صور، تحولت المنصوري إلى واحدة من أكثر النقاط تعرضاً للتدمير في جنوب لبنان، بينما يجد أهلها أنفسهم عاجزين عن العودة إليها أو حتى الاقتراب من منازلهم. وتقول تقارير ميدانية، بينها تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، إن الجيش الإسرائيلي واصل خلال الأسابيع الأخيرة عمليات التفجير والهدم والقصف في البلدة، في وقت يفترض أن الجنوب اللبناني يعيش مرحلة تهدئة ووقف لإطلاق النار. وتؤكد تقارير أخرى أن إسرائيل نفذت في 28 سبتمبر تفجيراً كبيراً في المنصوري، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه أنهى عملية عسكرية على مستوى لواء في البلدة، مدعياً تفكيك بنى تحتية مرتبطة بحزب الله. وبالنسبة إلى سكان المنصوري، لا يتعلق الأمر بأضرار يمكن انتظار إصلاحها بعد انتهاء الحرب، بل بمشهد يتغير أمامهم كل يوم. فالمنازل التي كان يفترض أن يعودوا إليها، والأراضي التي كانوا يزرعونها، والطرق التي اعتادوا عبورها، باتت جزءاً من منطقة عمليات عسكرية مغلقة أو شديدة الخطورة. قرية تُرى من بعيد ولا يستطيع أهلها الوصول إليها كانت المنصوري، وفق رواية «ميدل إيست آي»، في بداية الأمر خارج المنطقة التي أطلق عليها اسم «الخط الأصفر»، وهو توصيف للمنطقة التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي داخل أجزاء من جنوب لبنان. لكن السكان يقولون إن حدود هذه المنطقة اتسعت عملياً، وإن القرية وجدت نفسها مقسمة ومحاصرة بالنار والعمليات العسكرية. ولا يبدو «الخط الأصفر» على الأرض كحد ثابت وواضح، إذ وصفه تقرير آخر بأنه منطقة عمليات متحركة تتغير حدودها بحسب الانتشار العسكري الإسرائيلي. وهذا يفسر جزئياً حالة عدم اليقين التي يعيشها سكان القرى الواقعة في محيطه. وخلال الفترة الماضية، اضطر سكان كانوا قد عادوا إلى المنصوري إلى النزوح مجدداً، مع استمرار إطلاق النار والغارات وعمليات التفجير. وفي 28 سبتمبر، شوهدت سحب كثيفة من الدخان تتصاعد من البلدة بعد سلسلة تفجيرات إسرائيلية، فيما كانت المشاهد تُلتقط من قرية حنية المجاورة. ومن حنية، بات بإمكان سكان المنصوري مشاهدة ما يحدث لقريتهم من مسافة آمنة نسبياً، في مشهد يلخص مأساة النازحين: أن ترى منزلك أمامك، لكن لا تستطيع الوصول إليه. بحسب «ميدل إيست آي»، يأتي عشرات من أبناء المنصوري إلى حنية لمراقبة ما يحدث وتوثيقه بهواتفهم. ومن بين هؤلاء أحمد، البالغ 47 عاماً، الذي نصب هاتفه على حامل صغير وبدأ بث المشهد مباشرة عبر فيسبوك. كان يشير إلى نقطة بعيدة في القرية ويقول لمتابعيه: «انظروا.. البيت الأصفر هو بيتي. إنه الوحيد الذي لا يزال قائماً. كل البيوت حوله دُمرت». لم يكن أحمد يتابع خبراً عن بلدته؛ كان يشاهد منزله وهو يقترب من المصير نفسه الذي حل بمنازل جيرانه. وبحسب التقرير، بدا واضحاً أن انتظار اللحظة التي قد يصل فيها التدمير إلى البيت المتبقي أكثر قسوة من مشاهدة ما دُمر بالفعل. وبالقرب منه، كان علي، أحد سكان المنصوري الذين دُمرت منازلهم، يراقب المشهد أيضاً. قال إنه يريد البقاء قريباً من بلدته، حتى لو لم يعد قادراً على دخولها، لأن التخلي عنها بالنسبة إليه يعني التخلي عن جزء من حياته. وأشار إلى أرض زراعية أسفل القرية، قائلاً إن الدخان المتصاعد منها يعني بالنسبة إليه فقدان مصدر رزق آخر، بعدما خسر منزله وعمله. حين تصبح الجرافات جزءاً من يوم الحرب لم تعد عمليات التدمير، وفق شهادات السكان التي نقلها الموقع البريطاني، تقتصر على القصف. فالسكان تحدثوا عن تفجيرات متكررة وعمليات هدم وتجريف، وعن استخدام مسيرات في إسقاط متفجرات على بعض المباني قبل تفجيرها. وتنسجم هذه الشهادات مع ما وثقته مصادر إعلامية خلال الأيام الأخيرة. فقد أفادت «الشرق الأوسط» بتكثيف عمليات التفجير والهدم والتجريف في المنصوري، بينما تحدثت «لوريان اليوم» عن سلسلة تفجيرات وعمليات هدم استمرت في البلدة في 29 سبتمبر، بعد يوم شهد عشرات الضربات والانفجارات. وفي أحد المشاهد التي نقلها «ميدل إيست آي»، ساد الصمت بين مجموعة من سكان المنطقة وهم يراقبون آليات إسرائيلية تتحرك في اتجاه البلدة. ومن بعيد، كانت الجرافات تزيل أنقاض المنازل، في عملية لا تترك وراءها سوى الأرض الخالية. بالنسبة إلى هؤلاء السكان، لم تعد الحرب حدثاً يقع مرة واحدة ثم ينتهي، وإنما أصبحت عملية مستمرة تتغير أدواتها من الغارة إلى التفجير، ومن القصف إلى الجرافات. ابتسام، وهي من سكان المنصوري، وصفت الوضع بأنه سلسلة يومية لا تتوقف: قصف في يوم، وجرافات في اليوم التالي، ثم تفجيرات داخل مناز