من محال الصرافة إلى شبكات التحويل والمدفوعات الإلكترونية، يعيد مصرف لبنان ضبط حركة النقد في البلاد عبر سلسلة من الإجراءات التنظيمية والرقابية، ترى مؤسسة "بي إم آي" البحثية، التابعة لمجموعة "فيتش سوليوشنز"، أنها تعزز الشفافية المالية وتدعم مساعي إخراج لبنان من القائمة الرمادية. وأصدر مصرف لبنان في 18 آب/أغسطس 2026 القرار الأساسي رقم 13837، الملحق بالتعميم الأساسي رقم 6، فأعاد تنظيم شروط تأسيس مؤسسات الصرافة وعملها، وشدّد الرقابة على تعاملاتها مع المراسلين الأجانب ونقل النقد عبر الحدود وعمليات الحوالة. وتربط "بي إم آي" هذه الخطوة بتزايد التدقيق الأميركي في شبكات مالية تقول واشنطن إنها مرتبطة بحزب الله وإيران، إضافة إلى حاجة لبنان إلى معالجة الثغرات التي أدت إلى إدراجه على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (فاتف). وتكتسب الإجراءات أهميتها من اتساع التعامل النقدي بعد انهيار القطاع المصرفي في عام 2019. وقدّر البنك الدولي حجم الاقتصاد النقدي المدولر في لبنان بنحو 46% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022. ويزيد الاعتماد الواسع على النقد صعوبة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتهرب الضريبي، ويحد من قدرة السلطات على تتبع المعاملات المالية. الدفع الإلكتروني يملأ فراغ الفروع المصرفية تكشف بيانات أوردها التقرير نقلاً عن مصادر وطنية حجم التحول في القطاع المالي؛ لقد تراجع عدد الفروع المصرفية من 1058 فرعاً في عام 2019 إلى 619 فرعاً في عام 2025، فيما ارتفع عدد المؤسسات التي تقدم عمليات مالية إلكترونية من 11 مؤسسة إلى 25 مؤسسة خلال الفترة نفسها. وفي هذا السياق، أصدر مصرف لبنان تعاميم لتنظيم عمل مقدمي خدمات الدفع بالوسائل الإلكترونية ومشغلي المحافظ وشركات تحويل الأموال. كذلك اتخذ إجراءات تتعلق بعمولات الدفع بالبطاقات وتطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية. وترى "بي إم آي" أن الهدف ليس إلغاء الاقتصاد النقدي كلياً، بل توسيع استخدام وسائل الدفع غير النقدية وتسهيل تتبع المعاملات وتحديد المستفيد الحقيقي من الأموال ومكافحة التدفقات غير المشروعة. غير أن نجاح هذه الخطوات يبقى مرهوناً بالتطبيق والرقابة الفعلية. خسائر بمليارات الدولارات... من يتحمل التكلفة؟ على المستوى التشريعي، أقر البرلمان في آب/أغسطس 2026 تعديلات على قانون إصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها، استجابةً لملاحظات صندوق النقد الدولي على القانون الذي أُقر في 31 تموز/يوليو 2025. ويضع القانون إطاراً لتحديد المصارف التي تحتاج إلى إعادة الهيكلة أو التصفية والخطوات اللازمة لمعالجة أوضاعها. ورحب صندوق النقد بالتعديلات ووصفها بأنها خطوة مهمة، لكنه شدد على ضرورة تطبيقها بفاعلية واستكمال بقية الإصلاحات. ويبقى استرداد الودائع مرتبطاً بقانون منفصل، هو قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع، المعروف بقانون "الفجوة المالية"، الذي يفترض أن يحدد حجم الخسائر وآلية توزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين. وتقدّر "بي إم آي" الخسائر المتراكمة بنحو 65 مليار دولار، متوقعة أن يواصل الخلاف بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف في شأن توزيعها تأخير الإصلاحات. في المقابل، تشير تقديرات حكومية تعود إلى عام 2022 إلى خسائر تقارب 70 مليار دولار، يرجح أن تكون قد ارتفعت منذ احتسابها. وقال حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إنه لا يتوقع إقرار قانون الفجوة المالية قبل ستة إلى ثمانية أشهر. وقدّر أن ما وصفه بـ"الشوائب" في الالتزامات المسجلة في ميزانية المصرف قد يصل إلى 30% من قيمتها، ما يعني أن هذه المبالغ تحتاج إلى التدقيق قبل تحديد الالتزامات القابلة للتسديد. وأوضح سعيد أن المبالغ التي تثبت صحتها بعد التدقيق يمكن تسديدها للمودعين نقداً على مدى سنوات أو من خلال سندات. وأبدى مصرف لبنان تحفظات على جوانب من صيغة القانون المقترحة، فيما قال الحاكم إن الذهب لا ينبغي استخدامه لتمويل الدولة، وإن اللجوء إليه يجب أن يكون عند الضرورة ولمصلحة المودعين. في 17 آب/أغسطس 2026، أصدر مصرف لبنان التعميم الأساسي رقم 174، بموجب القرار الأساسي رقم 13836، ونص على إنشاء "مركزية المودعين" لدى مديرية المصارف في المصرف المركزي. ويمنح النظام كل مودع رقماً تعريفياً موحداً معتمداً لدى المصارف العاملة في لبنان، ما يسمح بتجميع بيانات حساباته لدى مختلف المؤسسات وبعملات متعددة. ويساعد ذلك في تحديد الحجم الحقيقي لودائع كل شخص وإعداد أي خطة مستقبلية لاسترداد الأموال. ويحذر منتقدون، بحسب التقرير، من أن ربط الرقم الموحد مستقبلاً بسقف واحد للتسديد قد يقلص المبالغ التي يستردها أصحاب الحسابات المتعددة. إلا أن التعميم نفسه لا يحدد سقفاً للتسديد، إذ تتوقف هذه المسألة على الصيغة النهائية لقانون الفجوة المالية. وتعد "بي إم آي" تكليف شركة "ألفاري