كلما اقتربت إسرائيل من استحقاق داخلي، حضرت الهواجس الأمنية في خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو كجزء من معركته السياسية، إلا أن المشهد يبدو أكثر تعقيداً هذه المرة، بعدما حذّر من مؤشرات تفيد بأن أعداء إسرائيل في المنطقة قد يتحركون قبيل الانتخابات. وبما أن التحذير لم يأتِ مفتوحاً على الاحتمالات، بل ارتبط بتوقيت انتخابي محدد، فإن التساؤلات لم تتوقف عند حقيقة الخطر وحجمه، وإنما طالت أيضاً أسباب الإعلان عنه الآن، وما إذا كان نتنياهو يحاول إبقاء الإسرائيليين أمام معركة لم تنتهِ بعد، في مرحلة بات فيها ما يجري على الجبهات متداخلاً مع ما يجري في الداخل. ولم تبقَ التساؤلات التي أثارها كلام نتنياهو محصورة في دائرة التحليل، إذ سرعان ما انتقلت إلى الداخل الإسرائيلي، حيث أبدت المعارضة ارتيابها من التحذير وطالبت بمعرفة طبيعة المعلومات التي استند إليها رئيس الحكومة. ومع اتساع الجدل، اضطر مكتب نتنياهو إلى التأكيد أن مشاورات أمنية عُقدت بالفعل، وأن قيادات في المعارضة جرى إطلاعها على التطورات، في محاولة لمنح التحذير غطاءً أمنياً أمام الشكوك التي أحاطت بتوقيته. إلا أن ذلك لم يُسقط الأسئلة السياسية التي أثارها التصريح، بل جعلها أكثر حضوراً، ولا سيما أن صدوره في مرحلة تسبق الانتخابات يضع أي تطور أمني مقبل في قلب الصراع الداخلي على بقاء الحكومة أو إسقاطها. ومن هنا، تأخذ التحذيرات بعداً يتجاوز الحسابات الأمنية، إذ تقول مصادر سياسية مطلعة إن نتنياهو يريد الوصول إلى الانتخابات فيما لا تزال الحرب مستمرة، بما يسمح له بالحفاظ على صورة القائد الذي يخوض مواجهة لم تنتهِ بعد. أما انتهاء الحرب قبل الاستحقاق الانتخابي، فمن شأنه أن ينقل النقاش إلى مكان آخر، ويضع حكومته أمام أسئلة تتعلق بما حققته بعد سنوات من المواجهة، وما إذا كانت النتائج توازي الأهداف التي رفعتها منذ بدايتها. وبذلك، يصبح استمرار الخطر بالنسبة إلى نتنياهو عاملاً يمكن توظيفه لإبقاء الأمن في صدارة المعركة الانتخابية، بدلاً من أن تتحول حصيلة الحرب نفسها إلى عنوانها الأساسي. إلا أن إبقاء الحرب حاضرة في المشهد الانتخابي لا يصب بالضرورة في مصلحة نتنياهو، إذ ترى المصادر إن استمرارها يعيد بدوره طرح السؤال حول ما حققته إسرائيل فعلياً بعد سنوات من المواجهة. فعلى الرغم من الضربات التي وجّهتها إلى أعدائها وما حققته من إنجازات ميدانية، لم تتمكن من إنهاء القوى التي خاضت الحرب ضدها؛ فالمقاومة لا تزال حاضرة في غزة ولبنان، واليمن لم يخرج من المواجهة، فيما بقيت إيران، التي تنظر إليها إسرائيل باعتبارها رأس التهديد في المنطقة، لاعباً أساسياً لم تنجح الحرب في إقصائه. وبحسب المصادر، تكمن المعضلة هنا في الفارق بين ما استطاعت إسرائيل تحقيقه عسكرياً وبين ما عجزت عن تثبيته سياسياً، إذ تمكنت من إضعاف أعدائها وتوجيه ضربات قاسية إليهم، من دون أن تصل حتى الآن إلى الحسم الذي يسمح لنتنياهو بالقول إن الأهداف التي خاض الحرب من أجلها قد تحققت. هذا الغياب للحسم هو ما يبقي احتمالات المواجهة مفتوحة، إذ تشير المصادر إلى أن القلق الإسرائيلي لا يتركز بالضرورة على اندلاع حرب شاملة في توقيت محدد، بقدر ما يرتبط بعمليات قد تستهدف القوات الإسرائيلية في المناطق التي لا تزال تحتلها. ففي جنوب لبنان، تتحدث التقديرات عن احتمال زرع عبوات ناسفة أو تنفيذ عمليات تستهدف القوات الموجودة داخل الشريط المحتل، فيما تتركز المخاوف في غزة على احتمال تنفيذ عمليات أسر جديدة لجنود إسرائيليين عند المناطق العازلة. وهنا تتحول المواقع التي تقدمها حكومة نتنياهو باعتبارها جزءاً من مكاسب الحرب إلى مواقع تحتاج إلى حماية مستمرة، بما يجعل البقاء فيها مصدراً للاستنزاف، في حين أن الانسحاب منها يضع الحكومة أمام سؤال آخر يتعلق بما تبقى من تلك المكاسب بعد التخلي عنها. وعلى وقع هذه المعادلة، يكرر نتنياهو الحديث عن ضغوط تتعرض لها إسرائيل للتراجع عن بعض ما حققته خلال الحرب، في محاولة لربط استمرار الوجود العسكري بالحفاظ على تلك المكاسب. غير أن المسألة بالنسبة إليه تتجاوز الحسابات الميدانية إلى ما يمكن أن يتركه أي انسحاب على صورته قبيل الانتخابات، إذ سيكون من الصعب عليه الدفاع عن نتائج حرب امتدت سنوات إذا انتهت بالتخلي عن مواقع سبق أن قدّم السيطرة عليها باعتبارها ضرورة لأمن إسرائيل. ولهذا يصبح قرار الانسحاب أكثر من مجرد خطوة عسكرية، لأنه يضع نتنياهو أمام معركة سياسية حول حصيلة الحرب نفسها، في توقيت يسعى فيه إلى إقناع الإسرائيليين بأن ما بدأه لم يكتمل بعد. ولا تنفصل الضغوط التي يتحدث عنها نتنياهو عمّا يجري على خط واشنطن وطهران، حيث تتقدم المفاوضات في وقت يستمر فيه التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتبقى الاستعدادات قائمة تحسّباً لأي تطور قد يعيد المواجهة إل