كان المزارع ناصر الجاسم "أبو أحمد" يترقب وصول شاحنته المحملة بالدراق والمشمش إلى الأسواق الخليجية قبل أن تفسد الثمار التي أمضى أشهراً في رعايتها، لكن البراد الذي غادر ريف دمشق متجهاً نحو معبر نصيب الحدودي بقي متوقفاً لأيام بانتظار استكمال إجراءات العبور، فيما كانت درجات الحرارة المرتفعة تنال تدريجياً من جودة الحمولة. يقول أبو أحمد لـ"المدن" إن جزءاً من محصوله لم يعد صالحاً للبيع بالسعر المتفق عليه بعد تأخر الشاحنة عدة أيام على الحدود، مضيفاً أن الخسائر لا تقتصر على تلف البضاعة، بل تشمل أيضاً تكاليف النقل والتبريد وأجور العمال. ويشير إلى أن المزارعين باتوا يدفعون ثمن التعقيدات التي تواجه حركة التصدير، رغم اعتمادهم على الأسواق الخارجية لتصريف جزء مهم من إنتاجهم. ولا تبدو معاناة الخمسيني حالة استثنائية، إذ يشكو عشرات المزارعين والمصدرين السوريين من تداعيات التأخير المتكرر للشاحنات المحملة بالخضار والفواكه عند معبر نصيب، المنفذ البري الرئيسي للصادرات السورية المتجهة نحو الأردن ودول الخليج. وفي هذا السياق، يمثل بدء المملكة العربية السعودية بمنح تأشيرات للسائقين السوريين للشاحنات المحملة بالبضائع العابرة "ترانزيت" عبر الأراضي الأردنية، وإصدار التأشيرات عبر مركز "تأشير" في سوريا، تطوراً مهماً لقطاع النقل والصادرات السورية، إذ يفتح المجال أمام عودة الشاحنات السورية إلى العمل المباشر على خط السعودية والوصول إلى أسواق المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي. قال رئيس لجنة النقل والشحن والترانزيت في غرفة تجارة دمشق محمد رياض الصيرفي لـ"المدن" إن منح التأشيرات للسائقين السوريين يمثل خطوة مهمة لإعادة الأسطول السوري إلى خطوط النقل الخارجية، بعد سنوات من تعطل جزء كبير من هذا النشاط. وأوضح الصيرفي أن حركة الشحن بين سوريا ولبنان تسير بشكل طبيعي ولا تواجه عراقيل مباشرة، فيما يتمثل التحدي الحقيقي في عدم منح سائقي الشاحنات السورية تأشيرات دخول إلى عدد من الدول، وفي مقدمتها دول الخليج وتركيا، ما حال دون عودة الشاحنات السورية إلى العمل المباشر على هذه الخطوط. وأضاف أن هذا الواقع فرض الاعتماد على نظام "المناقلة" عند المعابر الحدودية، حيث تُنقل البضائع من شاحنات أجنبية إلى شاحنات سورية أو العكس. ورغم أن المناقلة توفر فرص عمل للسائقين السوريين بعد سنوات من الركود، فإنها في المقابل تزيد كلفة النقل وتؤخر وصول الشحنات، بما ينعكس على سلاسل الإمداد وحركة الصادرات. وفي المقابل، تتمكن الشاحنات اللبنانية من متابعة رحلاتها إلى دول الخليج عبر سائقين حاصلين على التأشيرات والتصاريح المهنية اللازمة، ما يمنحها مرونة أكبر في حركة النقل ويجنبها جزءاً من التعقيدات التي تواجهها الشاحنات السورية. ويقول المصدّر السوري فهد أبو وردة لـ"المدن" إن قطاع التصدير يواجه مشكلات متراكمة منذ سنوات، أدت إلى ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة التنافسية للمنتجات السورية في الأسواق الخارجية، مضيفاً أن المصدرين يحتاجون إلى تسهيل حركة النقل وفتح خطوط التصدير ومعالجة العقبات التي تواجه الشاحنات السورية. ويوضح أبو وردة أن بعض الأسواق الخليجية شهدت قيوداً على منح التأشيرات للسائقين السوريين، ما زاد من صعوبة عمليات النقل والتصدير. ويشير إلى أن حجم عمل شركته تراجع بشكل ملحوظ، إذ كانت تصدر نحو 160 براداً يومياً في ذروة نشاطها، بينما انخفض العدد حالياً إلى نحو 40 براداً فقط، نتيجة التعقيدات اللوجستية وارتفاع التكاليف وطول فترات الانتظار على الحدود. ويضيف أن الشاحنات تضطر أحياناً إلى الانتظار ثلاثة أو أربعة أيام على معبر نصيب قبل استكمال إجراءات العبور، ما يؤدي إلى تلف جزء من البضائع الزراعية سريعة العطب، ويكبّد المصدرين والمزارعين خسائر مالية متزايدة. ويشير الصيرفي إلى أن البرادات السورية تصل إلى المعابر الحدودية وتبقى عدة أيام بانتظار من يتولى نقل حمولاتها إلى الخليج، وقد تمتد فترة الانتظار إلى أسبوع أو أكثر، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على المنتجات الزراعية السريعة التلف. ويوضح أن الخضار والفواكه الموسمية لا تحتمل فترات الانتظار الطويلة حتى وإن كانت محفوظة داخل البرادات، لافتاً إلى أن فروقات درجات الحرارة وعمليات التفريغ وإعادة التحميل والتفتيش تؤدي إلى تراجع جودة المنتجات، ووصول بعضها إلى الأسواق الخارجية بحالة مختلفة عن تلك التي خرجت بها من مراكز التوضيب والتبريد داخل سوريا. كاشفاً بأن حركة التصدير الحالية تبلغ نحو 150 براداً يومياً، مع توقعات بارتفاعها إلى 200–250 براداً خلال ذروة الموسم، ما يجعل تسهيل حركة النقل وتقليص فترات الانتظار مسألة أساسية بالنسبة للمصدرين والقطاع الزراعي. ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المصدرين، بل تمتد إلى الفلاحين الذين يواجهون خطر تراكم الإنتاج في الأسواق المحلية