حذر "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" من استمرار العمل بقوانين الإعلام والجرائم الإلكترونية الصادرة في عهد نظام بشار الأسد، معتبراً أن تطبيقها بشكل انتقائي ضد منتقدي الحكومة السورية الجديدة، مقابل التساهل مع خطاب التحريض الطائفي، ربما يهدد استقرار البلاد ويقوض جهود إعادة الإعمار والاستثمار. وقال المعهد في تقرير بعنوان "قوانين الأسد المتعلقة بحرية التعبير تعرض أمن سوريا وإعادة إعمارها للخطر"، أن الحكومة الانتقالية لا تعيد بناء الدولة البوليسية التي كانت موجودة في عهد الأسد، واتخذت خطوات إيجابية بينها إطلاق سراح بعض المعتقلين وإصدار وزارة العدل تعميماً يحد من صلاحيات عناصر الأمن الداخلي في قضايا التشهير، إلا أن منتقدين مازالوا يتعرضون للاعتقال استناداً إلى قوانين سابقة، غالباً نتيجة شكاوى "شخصية". وأشار التقرير إلى أن قوانين صدرت بين العامين 2001 و2022 مازالت سارية، وتشمل أحكاماً تجرم "المعلومات الكاذبة" والتشهير عبر الإنترنت والإساءة إلى المسؤولين والمحتوى الذي يمس "الوحدة الوطنية" أو "الأمن القومي" و"هيبة الدولة". ويسمح الإعلان الدستوري باستمرار التشريعات السابقة إلى حين تعديلها أو إلغائها، رغم ضمانه حرية الرأي والتعبير والصحافة. وبحسب المعهد، تحول نمط تطبيق هذه القوانين تدريجياً منذ أواخر العام 2025، من ملاحقة التعبير المؤيد للنظام السابق إلى استهداف منتقدي السلطات الجديدة، فيما بقيت حالات من التحريض الطائفي من دون ملاحقة. وسلط التقرير الضوء على عدد من الحالات، أبرزها توقيف صانع المحتوى حسان عقاد في حزيران/يونيو الماضي، بعد سلسلة فيديوهات تناول فيها تعهدات شخصيات وشركات بالتبرع لإعادة الإعمار. وجاء توقيفه بعد شكوى تقدم بها الإعلامي المقرب من السلطة الجديدة موسى العمر بتهمتي الإهانة والتشهير، قبل إطلاق سراحه بعد سحب الشكوى. وفي المقابل، أشار التقرير إلى عدم اتخاذ إجراءات بحق الإعلامي عمر التلاوي، بعدما دعا عبر الإنترنت إلى "إزالة" أحياء علوية في حمص من الخريطة. وأشار التقرير إلى توقيف مواطنين وناشطين خلال الأشهر الماضية بسبب انتقاد مسؤولين أو الفساد والمحسوبية، معتبراً أن عدداً من القضايا تحركه شكاوى يقدمها أشخاص ذوو نفوذ، بينما يرتبط الإفراج عن بعض الموقوفين بالضغط وردود الفعل العامة في مواقع التواصل أكثر من الإجراءات القانونية. ورأى المعهد أن المسألة تتجاوز ملف حرية التعبير، لأن التطبيق غير المتكافئ للقوانين يمكن أن يضعف ثقة الأقليات بالدولة والمؤسسات، ويزيد مخاطر تجدد العنف المجتمعي، ويجعل المستثمرين الأجانب أكثر حذراً تجاه تمويل إعادة الإعمار، بما يقوض المكاسب المتوقعة من تخفيف العقوبات الأميركية وإعادة فتح القنوات الدبلوماسية مع دمشق. ودعا التقرير المسؤولين الأميركيين، وبينهم المبعوث الخاص توم باراك، إلى التعامل مع القضية باعتبارها مرتبطة بالاستقرار والأمن وإعادة الإعمار، وليس فقط بحقوق الإنسان. وأوصى بتعليق العمل بقوانين عهد الأسد المتعلقة بحرية التعبير إلى حين مراجعتها في البرلمان، وإلغاء الأحكام التي تجرم "المعلومات الكاذبة" والإساءة إلى المسؤولين، ونقل قضايا التشهير إلى المحاكم المدنية، وحصر المسؤولية الجنائية بالخطاب الذي يشكل تحريضاً فعلياً على العنف. وطالب المعهد أيضاً بوضع معايير موحدة لعمل الأجهزة الأمنية، وإنشاء سجل علني للقضايا والمعتقلين، ومراجعة الاعتقالات التي تتم من دون مذكرات توقيف، وضمان حصول المحتجزين على استشارة قانونية، إلى جانب تعزيز شفافية أموال وتعهدات إعادة الإعمار. وشدد التقرير على أن المطلوب ليس زيادة الملاحقات المتعلقة بخطاب الكراهية، وإنما تطبيق معيار قانوني واضح ومتساو على الجميع، بغض النظر عن هوية المتحدث أو الجهة المستهدفة.