ربما لم يكن الموت الفلسطيني مرئيا في أي وقت كما هو اليوم. تصل صور القتلى والجرحى والجوعى من غزة لحظة وقوعها، وتتحول الأجساد إلى صور، والصور إلى أخبار، والأخبار إلى أرقام تتزايد كل يوم. غير أن هذه الرؤية المفرطة تحمل مفارقتها القاسية، فكلما ازداد الفلسطيني ظهورا في مشهد موته، أصبح الإنسان الذي كأنه قبل الصورة أقل ظهورا. كأن العالم يعرف الفلسطيني جيدا حين يكون قتيلا، ويعرف أقل عن حياته حين يكون حيا. من هذه المفارقة ينطلق كتاب الشاعر الفلسطيني الأميركي فادي جودة الجديد "المعروض G: قصائد ومقالات وصور فوتوغرافية من غزة" (Exhibit G: Poems, Essays, and Photographs of Gaza)، الصادر عن دار ميلكويد إديشنز (Milkweed Editions)، والذي وصل مؤخراً إلى اللائحة الطويلة لجائزة الكتاب الوطنية الأميركية. فهو كتاب عن غزة، بالتأكيد، لكنه مشغول أيضاً بالسؤال عن الطريقة التي يمكن بها تمثيل غزة بعدما تحولت الكارثة نفسها إلى مشهد عالمي متواصل. ولذلك يحمل العنوان شيئاً من الفخ الذي يريد الكتاب تفكيكه، فكلمة Exhibitتعني المعروض، أو الوثيقة والدليل، أما الحرف G فيفتح أبوابه على غزة والإبادة Genocide، وعلى كلمات أخرى يضيفها جودة، حتى الـغيغابايت (Gigabyte)، حيث تقيم النظرة الحديثة داخل الشاشات والذاكرة الرقمية. ما الذي يستطيع الشعر أن يفعله أمام هذا الفائض من الموت والصور؟ كان جواب جودة في ديوانه السابق "..." في 2024، قريباً من الصمت والتشظي والاقتصاد اللغوي، كأن اللغة نفسها أصيبت بما أصاب العالم. وينبغي الإشارة هنا أن الشاعر جودة اختار لديوانه السابق عنوانا هو علامة الحذف نفسها "...". أما كتابه الجديد Exhibit G فيسلك اتجاهاً آخر، حيث تتسع القصيدة بدل أن تنكمش، وتفتح حدودها للصورة والمقالة والشهادة والترجمة والرسم والصوت الآخر. ويضم الكتاب قصائد لجودة ونصوصا للشاعرتين روان حسين ونعمة حسن، وقصيدة مشتركة مع نعمة حسن، وصورا التقطها فلسطينيون في غزة، وبينها مواد مرتبطة بمطبخ غزة الخيري. وقد التقط الكاتب والباحث الفلسطيني بلال أوريك هذه النقلة في قراءة للكتاب نشرها موقع “Literary Hub” بالتزامن مع صدوره؛ فرأى أن ديوان جودة السابق «[…]» أقام في الصمت وبقاياه، بينما يمثل كتابه الجديد "المعروض G" الكلام الذي أفضى إليه رفض نوع معين من الكلام. هذه النقلة أساسية لفهم الكتاب، فالقصيدة المفردة لم تعد مطالبة بحمل غزة كلها. ويوزع جودة هذا العبء على أجناس وأصوات وعيون متعددة، ويجعل تعدد الأصوات جزءا من بنية الكتاب، لا فكرة معلنة خارجه. وهكذا يصبح السؤال عن قدرة الشعر أكثر التباسا، ولعل الشعر يستطيع مواجهة الكارثة حين يتخلى عن وهم أنه يستطيع مواجهتها وحده. يعرف جودة أن إدخال الصور إلى كتاب عن غزة ينطوي على مخاطرة أخرى. فالطفل الجائع، والجثمان الخارج من الأنقاض، والمرأة التي تعد الخبز، يمكن أن يتحولوا بسهولة إلى مادة لاستهلاك الشفقة. وهنا يدخل Exhibit G في حوار واضح مع كتاب إدوارد سعيد وجان مور After the Last Sky، ومع السؤال الفلسطيني القديم عن مَن يمتلك حق إنتاج الصورة ومن ينظر إلى من. كل الصور في الكتاب التقطها فلسطينيون. وفي حوار أجراه معه الشاعر الأميركي كريستيان هوكي، ونشرته مجلة "BOMB" في 17 سبتمبر/أيلول، يشدد جودة على أهمية لحظة اللقاء بين عين المصور الفلسطيني وعين الشخص الذي يصوره. فالكرامة، في تصوره، متصلة بالسيادة، والتضامن مع الفلسطيني من موقع الاعتراف بسيادته يختلف عن التعاطف معه من موقع الشفقة. لذلك لا يريد للطفل المبتسم في الصورة أن يؤدي وظيفة "الأمل" التي يحتاج إليها المشاهد البعيد كي يحتمل رؤية الكارثة، فالطفل يعيش حياته؛ والمتلقي هو الذي يستولي على ابتسامته ويعيد إنتاجها بوصفها علامة على "الصمود". والأهم أن جودة يقول إنه لم يختر الصور لتشرح النصوص، ولم يكتب النصوص لتطابق الصور؛ فقد أراد للصورة والكلمة أن تحتفظ كل منهما باستقلالها داخل البنية المشتركة للكتاب. وهنا تكمن إحدى أجمل أفكار الكتاب وهي نقل الفلسطيني من موقع المعروض إلى موقع الناظر، حيث أن غزة ليست مجموعة أدلة يقدمها الفلسطيني لإقناع العالم بأنه يتعرض للموت، وإنما هي حياة داخلية كاملة سبقت الكارثة وتستمر خلالها. لكن هوية المصور لا تحسم المسألة، فالصورة مهما تكن عين منتجها، تظل قابلة للانتقال إلى السوق الإعلامية نفسها، وإعادة إدخالها في اقتصاد الشفقة الذي يحاول الكتاب مقاومته. ما يغيره جودة هو علاقة القوة داخل لحظة إنتاج الصورة، ثم يحاول بالنص وترتيب الصور وانتقالها بين القصائد منعها من التحول إلى وثيقة صامتة. تكشف قصيدة "حصان آخر" (Another Horse) جانبا آخر من هذه المحاولة، إذ يستحضر جودة حصان الفارس عنترة بن شداد المثخن بالرماح في المعلقة الشعرية الشهيرة، لكنه يضع إلى جواره حصانا فلسطينيا آ