بعد سنوات من النقاش والتعديلات، أقر مجلس النواب اللبناني في آب 2026 قانون الإعلام الجديد، واضعاً إطاراً تشريعياً جديداً لتنظيم العمل الإعلامي ومسؤولية وسائل الإعلام. وبينما أدخل القانون إصلاحات تتصل بحرية العمل الصحافي وحقوق الإعلاميين، أبقى على أحكام جزائية داخل القانون نفسه، وأثار في المادة 105 إشكالية تتعلق بحدود تطبيق النصوص الجزائية السابقة على الأفعال المرتكبة عبر وسائل الإعلام. وتحدد المادة 105 العلاقة بين قانون الإعلام الجديد والنصوص الجزائية الواردة في تشريعات سابقة، إذ تستبعد تطبيق بعض هذه النصوص عندما تكون الأفعال موضوع الملاحقة منظمة بأحكام خاصة في قانون الإعلام، فيما تبقيها نافذة في ما لا ينظمه القانون. ومن هنا، لا يقتصر النقاش حول المادة على ما أخرج من نطاق التجريم، بقدر ما يمتد إلى تحديد ما بقي خاضعاً للنصوص الجزائية الأخرى، وما إذا كان القانون الجديد قد نجح فعلاً في الانتقال بالمسؤولية عن العمل الصحافي من المسار الجزائي إلى المساءلة المدنية. المادة 105: ماذا تستبعد وماذا تبقي؟ تحدد المادة 105 مجموعة من النصوص التي لا تسري على الأحكام التي ينظمها قانون الإعلام، وتشمل النصوص المتعلقة بالقدح والذم والتحقير في قانون العقوبات، إضافة إلى نشر الأنباء الكاذبة والمس بالشعور الديني أو الوطني الواردة في قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري والمرسوم الاشتراعي الرقم 104/1977. لكنها لا تلغي هذه النصوص بصورة مطلقة، إذ تنص صراحة على بقائها نافذة «في غير ما يتعلق بالأحكام الخاصة التي ينظمها هذا القانون». كما تنص على أن أحكام قانون الإعلام تتقدم عند التعارض باعتبارها نصوصاً خاصة تقيد النصوص العامة. وهذا يعني أن سريان النص الجزائي لا يتحدد بمجرد وجوده في قانون سابق، إنما يرتبط بالسؤال عما إذا كان الفعل محل الملاحقة منظماً بصورة خاصة في قانون الإعلام أم لا. وتكمن إحدى نقاط الالتباس هنا في أن المادة 105 تحدد النصوص من خلال موضوعاتها والقوانين التي وردت فيها، من دون أن تسرد أرقام جميع المواد التي تتوقف عن التطبيق في كل حالة. وبالتالي، يبقى للقضاء دور أساسي في تحديد ما إذا كان الفعل يدخل ضمن نطاق التنظيم الخاص لقانون الإعلام، أو يبقى خاضعاً لنص جزائي آخر لم يتناوله القانون الجديد. كما أن المادة 105 لا تعمل بمعزل عن مواد أخرى في القانون. فالمادة 113، مثلاً، تنص على انتفاء صلاحية المحكمة العسكرية بالنسبة إلى الجرائم المتعلقة بالرأي والإعلام المنصوص عليها في قانون الإعلام، وكذلك الجرائم المنصوص عليها في المادة 157 من قانون القضاء العسكري. المادة 104: تجريم جزائي داخل قانون الإعلام الجديد ولا تقتصر الإشكالية على النصوص الجزائية الموجودة خارج قانون الإعلام. فالقانون الجديد نفسه يتضمن في المادة 104 أحكاماً جزائية. وتنص الفقرة «أ» على عقوبات بالحبس والغرامة على التحريض على النزاع الطائفي أو العنف ضد أشخاص أو جماعات على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو اللون أو الجنس، مع تحديد مجموعة من المعايير التي ينبغي اجتماعها لتقييم الخطاب، بينها السياق الاجتماعي والسياسي، ومقام الفاعل، والنية، ومحتوى الخطاب وشكله، ومدى انتشاره وأرجحية حصول الضرر. أما الفقرتان «ب» و«ج»، فتتناولان تعمد اختلاق الأضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية، مع فرض عقوبة بالحبس والغرامة، وتشديد العقوبة في حال أدت هذه الأفعال إلى قتل أو إيذاء أو تعطيل أو تدمير كبير في الممتلكات العامة والخاصة. وهذه الفقرات بقيت في النص النهائي الذي نشر في الجريدة الرسمية، رغم الاعتراضات التي أثيرت عليها خلال مناقشة القانون. وكان وزير الإعلام بول مرقص قد أعلن اعتراضه على الفقرتين «ب» و«ج»، مؤكداً بعد إقرار القانون أنه سيعمل على تعديلهما، وهو ما يعني أن القانون النافذ حالياً لا يزال يتضمن هاتين العقوبتين الجزائيتين. وهنا يصبح التمييز بين المادتين 104 و105 أساسياً: فالمادة 104 تستحدث وتحدد أفعالاً وعقوبات جزائية ضمن قانون الإعلام نفسه، بينما تنظم المادة 105 العلاقة بين أحكام القانون الجديد وبعض النصوص الجزائية السابقة. لذلك، لا يمكن تقييم مدى تراجع التجريم الجزائي في العمل الصحافي من خلال المادة 105 وحدها، بل من خلال قراءة المواد الجزائية في القانون الجديد إلى جانب النصوص التي أبقاها القانون نافذة خارج نطاق أحكامه الخاصة. من أين يمكن أن تأتي الملاحقة الجزائية؟ خلال السنوات الماضية، وثقت منظمة العفو الدولية ملاحقات طاولت صحافيين وناشطين وأصحاب رأي على خلفية تعبيرهم السلمي. ومن هذا المنطلق، تعتبر رينا وهبي، مسؤولة الحملات المعنية بالملف اللبناني في منظمة العفو الدولية، أن القانون الجديد يتضمن إصلاحاً مهماً، لكنه لا يكتمل مع بقاء أبواب أخرى للتجريم. وترى وهبي أن المادة 105 ألغت مفاعيل عدد من ال