من ملاحقة قادة الميدان إلى استهداف مخازن السلاح فور اكتشافها، يكشف الجيش الإسرائيلي عن تحول في طريقة عمله داخل قطاع غزة تحت عنوان "صفر انتظار"، وهي سياسة تقوم، وفق روايته، على ضرب أي قدرة عسكرية أو بنية تحتية لحماس بمجرد رصدها، في محاولة لمنع الحركة من إعادة تنظيم صفوفها واستعادة قدراتها. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "mako" الإسرائيلي، يأتي هذا النهج بالتوازي مع سلسلة من الاغتيالات التي طالت قادة ألوية وكتائب في حماس، فيما يركز الجيش الإسرائيلي، ولا سيما في القيادة الجنوبية، على تعطيل تسلسل القيادة ومنع تعويض أي قائد يتم استهدافه. وكشف الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، أن سلاح الجو نفذ خلال الشهر الأخير، بتوجيه من القيادات العسكرية وشعبة الاستخبارات، أكثر من 500 غارة على أهداف في لبنان وقطاع غزة. وفي غزة وحدها، قال الجيش إنه استهدف أكثر من 140 هدفًا، بينها 3 من قادة الألوية في حماس ومخازن أسلحة وعناصر قال إنهم كانوا يعملون على تطوير "مخططات هجومية". وأوضح مسؤول كبير في القيادة الجنوبية، شارك في عدد من عمليات الاغتيال داخل قطاع غزة، أن استهداف القادة لا يحمل بعدًا رمزيًا فقط، بل يهدف أيضًا إلى ضرب الخبرة العملياتية وسلسلة القيادة. وقال: "قادة الألوية اليوم ليسوا كما كانوا في السابق. مستوى الخبرة والمعرفة مختلف تمامًا. حماس تحاول إعادة تنظيم قواتها وتجنيد عناصر جدد، لكننا لا نسمح لهم بالتدرب، وإذا رصدنا نشاطًا من هذا النوع نهاجمه فورًا". ويشير التقرير إلى أن أحد أبرز التغييرات في مفهوم تشغيل مركز النيران في القيادة الجنوبية يتعلق بطريقة التعامل مع منظومات السلاح والبنى التحتية داخل قطاع غزة. ففي السابق، كان الجيش الإسرائيلي يحتفظ بما يُعرف بـ"بنك أهداف" لاستخدامه خلال جولات القتال، أما اليوم، فتقوم السياسة الجديدة على الاستهداف الفوري والنشط. وقال المسؤول الإسرائيلي: "إذا كنا في السابق نعرف بوجود مخازن أسلحة وننتظر التوقيت المناسب لمهاجمتها، فنحن اليوم لا نسمح بذلك. كل ما نرصده في مجال السلاح أو الإنتاج أو التخزين نهاجمه في اليوم نفسه وفي اللحظة نفسها ولا نترك له مجالًا". ويأتي ذلك، بحسب المسؤول نفسه، بعدما تقلص نطاق سيطرة حماس وقدرتها على المناورة إلى ما بين 38% و40% من المساحة التي كانت تحت سيطرتها عشية الحرب. وأضاف: "لا أستطيع التأثير في نياتهم، لكن ما أستطيع التأثير فيه هو قدراتهم". وفي موازاة ذلك، ردت القيادة الجنوبية على الانتقادات المتعلقة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف وعلى الاتهامات المرتبطة بسقوط مدنيين داخل قطاع غزة. وقال مسؤولون في الجيش الإسرائيلي شاركوا في عمليات الاغتيال والغارات إن خلف كل عملية استهداف يعمل عشرات، وأحيانًا مئات، من عناصر شعبة الاستخبارات و"الشاباك". وقال المسؤول الذي تحدث إلى "mako": "سمعت ادعاءات مختلفة عن وجود منظومة ذكاء اصطناعي تجلب الأهداف وتوافق عليها. ليت الأمر كذلك، فهذا كان سيوفر عليّ الكثير من العمل". وأضاف: "عملية مهاجمة الأهداف منظمة ومتعبة ودقيقة. هناك عشرات كثيرة من الأشخاص يعملون لأسابيع طويلة لجمع أجزاء صغيرة من المعلومات وربطها ببعضها لتكوين الصورة كاملة". وأوضح أن العملية التي انتهت باغتيال قائد لواء شمال قطاع غزة جرت بالطريقة نفسها، بل كانت في الواقع سلسلة من العمليات التي امتدت لفترة طويلة قبل الوصول إليه. وقال: "الطريقة التي أوصلتنا إلى اغتيال معين لا تشبه الطريقة التي أوصلتنا إلى اغتيال آخر. المسألة تتطلب إبداعًا وعملًا شاقًا، ولا توجد حلول سحرية". وبحسب التقرير، تنطلق كل عمليات مركز النيران من مهمة تعتبرها القيادة الجنوبية أساسية، وهي حماية المستوطنات المحيطة بقطاع غزة وسكانها. وقال المسؤول: "عدد المرات التي تُطرح فيها البلدات والسكان خلال نقاشات تقييم الوضع لا يمكن تصوره. هذا الأمر يقع في قلب عمل القيادة". ويرتبط ذلك، وفق التقرير، بما يصفه الجيش الإسرائيلي بمفهوم "الخط الأصفر"، إلى جانب انتشار المواقع العسكرية وحلقات الحماية المستقلة الممتدة من عمق قطاع غزة وصولًا إلى السياج، وهي منظومة تقول القيادة إنها تهدف إلى تطبيق سياسة "صفر مخاطر". وختم المسؤول بالقول: "مهمتنا هي أن يتمكن سكان نيريم وغلاف غزة من النوم بهدوء ليلًا. من أجل ذلك نستيقظ كل صباح". وبين سياسة "صفر انتظار" وضرب مخازن السلاح فور اكتشافها وملاحقة القيادات الميدانية، يعكس هذا النهج محاولة إسرائيلية لتحويل الاستنزاف إلى عمل يومي متواصل، يقوم على منع حماس من إعادة بناء قدراتها قبل أن تتحول من جديد إلى قوة منظمة على الأرض.