اليوم يحتفل العالم بـ "اليوم العالمي للقهوة". والقهوة لا تحتاج إلى مناسبة كي تحظى بمكانها في حياة الملايين، كونها ليست مجرد مشروب عادي، بل رفيق صباح، وذريعة للقاء. تختصر رائحتها لدى البعض بداية النهار، ولدى آخرين ذكريات وراحة ولحظات تأمل. على مرّ العصور، ارتبطت القهوة بالحكايات والضيافة والثقافة، من المجالس العربية القديمة إلى المقاهي التي احتضنت الأدباء والمفكرين، وصولاً إلى المقاهي الحديثة التي تحوّلت إلى مساحات للعمل واللقاءات. ورغم تبدّل طرق التحضير وتنوّع النكهات، بقي الفنجان حاضراً في تفاصيل حياتنا اليومية. وتُعد القهوة اليوم من أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم، إذ بلغ الاستهلاك العالمي نحو 10.5 ملايين طن خلال موسم 2024-2025، وفق أحدث البيانات السنوية لمنظمة القهوة الدولية، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 1.4 في المئة مقارنة بالموسم السابق. كما يعتمد نحو 12.5 مليون أسرة زراعية حول العالم على القهوة مصدراً للدخل، فيما تبقى البرازيل وفيتنام وكولومبيا في طليعة الدول المنتجة. في لبنان، تبدو العلاقة مع القهوة أكثر خصوصية. فالفنجان الصباحي عادة يصعب التخلي عنها، فيما تحولت عبارة "تفضل نشرب قهوة" إلى دعوة تختصر لقاء جار أو صديق. وهي حاضرة في كل اجتماع عمل، وتزيّن أي جلسة عائلية أو مناسبة. تقول "سناء" (52 عاماً): "أستيقظ كل صباح على رائحة القهوة قبل أي شيء آخر. إذا لم أشرب فنجاني الأول، أشعر بأن يومي لم يبدأ بعد، وغالباً ما أشرب فنجانين أو ثلاثة خلال النهار. ليست مجرد كافيين، بل لحظة هدوء أحتاج إليها". أما "كريم" (34 عاماً)، فيربط القهوة بإنتاجيته اليومية، قائلاً: "كل اجتماع في المكتب يبدأ بقهوة، وحتى عندما أعمل من المنزل أطلبها من أقرب مقهى. أما القهوة مع أمي فلها طعم آخر. أصبحت القهوة جزءاً من روتين العمل، ومن الصعب أن يمرّ يوم من دونها". لا تقتصر علاقة اللبنانيين بالقهوة على الصباح. تقول "هبة" (45 عاماً): "في بيتنا، لا تكتمل أي زيارة من دون قهوة. بعد الغداء، وفي الأعياد، وحتى عندما يزورنا أحد على عجل، يكون السؤال الأول: بتشربي قهوة؟ إنها مساحة للكلام والراحة أكثر من كونها مجرد مشروب". شهد لبنان خلال السنوات الأخيرة انتشاراً لافتاً لثقافة القهوة المختصة، مع افتتاح مقاهٍ عديدة تُقدّم أنواعاً وأساليب تحضير متنوعة، إلى جانب طرق التحضير اليدوية وحبوب البن المستوردة من مناطق مختلفة. ويقول "جاك" صاحب أحد المقاهي المتخصصة في بيروت، "عالم القهوة واسع جدّاً، والزبون اللبناني أصبح أكثر اطلاعاً على أنواعه. لم يعد يسأل فقط عن قهوة جيدة، بل عن مصدر الحبوب، وطريقة التحميص، ونكهة كل نوع. وهناك شريحة متزايدة تبحث عن تجربة متكاملة، لا عن مجرد فنجان قهوة". ورغم الظروف الاقتصادية وارتفاع أسعار البن عالمياً، لا يزال الإقبال على المقاهي المتخصصة مرتفعاً. فبالنسبة إلى كثيرين، يبقى فنجان القهوة "متعة صغيرة" يصعب التخلّي عنها، حتى لو ارتفع ثمنه. برأي مختصين في علم النفس السلوكي "لا يعود ارتباط الإنسان بالقهوة إلى الكافيين وحده، بل إلى تحوّلها مع الوقت إلى عادة راسخة تمنح شعوراً بالاستقرار والطمأنينة. كما تُعد رائحتها من أكثر الروائح ارتباطاً بالذاكرة، إذ تستحضر لدى كثيرين مشاهد من الطفولة وبيت العائلة وجلسات الأصدقاء." ولا تقتصر متعة القهوة على مذاقها، بل تشمل التجربة الاجتماعية التي ترافقها. فهي دعوة إلى الحوار، واستراحة من ضغط العمل، ووسيلة تجمع الناس حول طاولة واحدة. وقد تجاوز حضور القهوة حدود الفنجان إلى الأغنية والشعر. ففي الذاكرة اللبنانية، ارتبطت بصوت فيروز وأجواء الرحابنة، ولا سيما في أغنية "في قهوة عَ المفرق"، حيث تحولت إلى مساحة للانتظار واللقاء والحكايات. وفي الشعر العربي، اختصر محمود درويش علاقتها بالحنين والبيت والدفء بقوله: "أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي"، لتصبح القهوة رمزاً للذاكرة والانتماء والأمان. ولم تعد القهوة مرتبطة ببداية النهار فقط، إذ انتشرت في مدنٍ عدة ظاهرة الحفلات واللقاءات الاجتماعية التي تتمحور حول القهوة، وتعتمد الموسيقى والقهوة بدلاً من المشروبات الكحولية، خصوصاً بين الشباب الباحثين عن أنماط ترفيه أكثر هدوءاً. في يومها العالمي، تثبت القهوة أنها أكثر من فنجان ساخن. إنها ذاكرة ولحظة لقاء ولغة تجمع الناس حول رائحة البن. قد تتغير طرق التحضير والنكهات والأسعار، لكن العلاقة بينها وبين الإنسان تبقى مستمرة.. هي حكاية لا تنتهي عند آخر رشفة بل تنتظر فنجاناً جديداً مع صباح اليوم التالي.