تحتل الدراجات النارية حيزاً واسعاً في قطاع النقل اللبناني، وقد ازدادات أهميتها في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والارتفاع الكبير في أسعار المحروقات، حيث يساوي الحد الأدنى للأجور 6 صفائح بنزين. و تحولت الدراجة إلى فرصة لتأمين دخل يومي لأبناء الطبقة الفقيرة. في المقابل، يجهد أصحاب الدراجات الفاخرة لمحاربة "الوصمة" والصور النمطية من خلال المطالبة بتطبيق القوانين الرادعة. يعكس مشهد الدراجات النارية في لبنان الواقع الحقيقي للبلاد، مكرساً الانقسام بين قطاع يعيش حالاً من الفوضى، وآخر نخبوي يكافح للحفاظ على مكانته وموقعه الممتاز ورفض "الوصمة" بفعل انتشار الدراجات غير المرخصة. فها هي سوق الدراجات الصغيرة تشهد ازدهاراً كبيراً في لبنان بوصفها "حاجة" فرضها الارتفاع غير المسبوق لأسعار المحروقات، وتحطيم عتبة 30 دولاراً أميركياً للصفيحة الواحدة، فيما تحاول الدولة "فرض هيبتها" عبر حملات متقطعة لكبح المخالفات المتمادية، بعد سيل من شكاوى المواطنين. وتنتشر المشاهد التي "تستفز" اللبنانيين، والتي تراوح ما بين ركوب ثلاثة إلى خمسة أشخاص على دراجة واحدة مع لوازم العمل، أو نقل قطع أثاث، أو حتى إطارات سيارات وقطع غيار كبيرة، مما يعرض السلامة العامة لأخطار مختلفة. تشكل الدراجة النارية الصغيرة فرصة لكثير من الشبان اللبنانيين، فهي بمثابة المتنفس الأخير في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، فهي وسيلة نقل ضرورية لأبناء الطبقة الشعبية، وتحديداً أولئك الذين لا يملكون سيارة، أو غير القادرين على تكبد عناء فاتورة الوقود اللاهبة. وتؤدي الدراجة النارية أدواراً مختلفة، فهي وسيلة للنقل يستنزفها مالكها إلى أقصى حد ممكن، وأداة لتوصيل الطلبات والبضائع مهما كبُر حجمها، كذلك فإنها وسيلة للاستعراض وإبراز القدرات الهائلة في القيادة والمخاطرة. في الموازاة، يلجأ الحرفيون وأصحاب المهن التجارية إلى الدراجة بوصفها بديلاً سريعاً، ويوفر المال و"حرق الأعصاب" على حد تعبير "مايك"، صاحب متجر لبيع الملابس الجاهزة، إذ يشيد باستخدام الدراجة النارية كوسيلة للنقل في قلب المدينة، مؤكداً أن "المشكلة لا تكمن بها كوسيلة، إنما بوجود مخالفين على نطاق واسع". وعليه، فطن بعض الشبان في بيروت لمزايا استخدام الدراجة وسط الاختناقات المرورية والزحام، وابتكروا فكرة "دراجة تاكسي"، التي وعلى رغم ما لاقته من ترحيب فإنها لم تنتشر على نطاق واسع بخلاف غزو "التوكتوك" الطرقات اللبنانية، وتحوله نداً لسيارات الأجرة. تنتشر المشاهد التي "تستفز" اللبنانيين، والتي تراوح ما بين ركوب 3 إلى 5 أشخاص على دراجة واحدة مع لوازم العمل (اندبندنت عربية) يزدهر استخدام الدراجة النارية في قطاع خدمات التوصيل، التي تحولت إلى مصدر دخل جيد لمحدودي الدخل، ها هو الشاب "يامن"، طالب مدرسة وهو واحد من الذين ينكبون على العمل في خدمات التوصيل لتأمين "مصروف الجيب". ويقول الشاب "نشرت رقمي على مواقع التواصل، وأصبح لدي مجموعة من الزبائن، وأقوم بتأمين طلبياتهم وتوصيلها إليهم في الفترة المسائية"، مضيفاً "لولا الدخل المحدود الذي أجنيه، ما كان لي أن أستمر بالالتحاق في دوام التعليم النهاري بسبب أوضاع الأسرة". من جهته، يشير ناصر إلى أنه عاد إلى لبنان منذ عام، بعد فشله بالتكيف مع حياة الاغتراب والعمل في الخارج بسبب عدم الوفاء بمضمون العقود العمالية، وتراجع الأجور في مختلف البلدان. وبعد العودة إلى البلاد، اندلعت الحرب بين أميركا وإيران، "فما كان إلا أن اشتريت دراجة للعمل مع إحدى شركات التوصيل". ويلفت ناصر إلى أن "العمل بواسطة الدراجة يؤمن دخلاً جيداً بسبب الإقبال المتزايد على الشراء بواسطة الدليفري، ناهيك ببناء الثقة مع الزبائن والصدقية". تتضح المكانة المتزايدة للدراجات النارية في المشهد الاقتصادي العام، في موازاة "حال الفوضى" التي تحاول القوى الأمنية ضبطها عبر حملات عابرة للمناطق، إذ ضبطت بأواخر أغسطس (آب) الماضي، مئات الدراجات غير المرخصة التي تعمل خلافاً للقانون، مما تسبب بحال من السخط في الأوساط الشعبية، والحديث عن "استهداف لقمة الفقير". وتشير أوساط المديرية العامة للأمن الداخلي إلى أن "السلطات تقوم بدورها في ضبط حركة السير، وهي تحض باستمرار على شرعنة القطاع والتزام القانون من خلال ترخيص وتسجيل تلك الدراجات لدى مصلحة تسجيل السيارات والدراجات". وتدعو الأوساط عينها أصحاب الدراجات دون فئة 125CC إلى الاستفادة من مزايا عدة يوفرها قانون السير، إذ يستفيد هؤلاء من رسوم تسجيل منخفضة، ورخصة قيادة، معبرة عن تعاطفها مع الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، التي لا يمكن أن تشكل مبرراً لتعريض السلامة الشخصية والعامة للخطر، أو حتى استخدام الدراجات غير القانونية في أعمال جرمية، إذ تواظب المديرية العامة للأمن الداخلي على تنظيم حملات للتوعية الاجتماعية وحث الم