ليس تفصيلا أن يصدر منذ أيام (أيلول المنصرم)، تقريرا عن وكالة الطاقة الدولية حول سوق النفط، على أبواب الشتاء، تنبّه فيه أن هناك تراجعا صادرات المازوت من الشرق الأوسط وروسيا بنحو 75 بالمئة خلال عام، وأن الأسواق العالمية تخسر نحو 500 ألف برميل يومياً من الإمدادات، بسبب الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، وإستمرار الأعمال العسكرية في مضيق هرمز مما أثّر بصورة مباشرة على منشآت الإنتاج والتكرير. فهذا التقرير يعلن صراحة أن أسواق المشتقات النفطية العالمية ستواجه في القادم من الأيام، ضغوطاً متزايدة مع تفاقم شحّ المازوت وتراجع الإمدادات من عدد من كبار المنتجين، في وقت تجاوز فيه سعر طن الديزل 1500 دولار أميركي خلال أيلول، أي ما يزيد على 200 دولار للبرميل. وخطورة الأمر أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على سوق الطاقة، إذ إن المازوت يُعد من أكثر المشتقات النفطية ارتباطاً بالنشاط الاقتصادي، ويُستخدم على نطاق واسع في النقل والشحن والزراعة والصناعة وإنتاج الطاقة.وبحسب وكالة الطاقة الدولية، شكّل المازوت نحو 30 بالمئة من إجمالي استهلاك النفط العالمي عام 2025، ما يجعل اضطراب إمداداته عاملاً مؤثراً في تكاليف الإنتاج والنقل والأسعار حول العالم. صادرات الشرق الأوسط وروسيا تتراجع 75 بالمئة تكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم التراجع في الإمدادات. فبين آب 2025 وآب 2026، انخفضت صادرات المازوت من الشرق الأوسط وروسيا مجتمعين بنحو 75 بالمئة. وكان منتجو الشرق الأوسط قد صدّروا خلال عام 2025 نحو 3.3 ملايين برميل يومياً من المنتجات النفطية المكررة، إلا أن الحرب على إيران أدت إلى حرمان الأسواق العالمية من نحو 66 بالمئة من هذه الصادرات. وفي محاولة لتعويض النقص، رفعت مصافي التكرير في الولايات المتحدة والصين، وعدد من الدول الآسيوية معدلات إنتاجها إلى مستويات مرتفعة، إلا أن هذه الزيادة لم تكن كافية لتعويض كامل الكميات المفقودة. نصف مليون برميل يومياً خارج السوق وتُظهر الأرقام النهائية حجم الفجوة في السوق العالمية. فقد تراجعت صادرات المازوت العالمية من 5.1 ملايين برميل يومياً في آب 2025 إلى 4.6 ملايين برميل يومياً في آب 2026. أي أن الأسواق العالمية فقدت خلال عام نحو 500 ألف برميل يومياً من صادرات المازوت. وهذا النقص يضغط على الأسعار ويزيد المنافسة بين الدول المستوردة للحصول على الإمدادات، خصوصاً مع استمرار المخاطر التي تهدد قدرات الإنتاج والتكرير في عدد من المناطق. روسيا تخسر 30 بالمئة من قدرتها التكريرية روسيا بدورها تواجه أزمة في قطاع التكرير. فهي تُعد ثالث أكبر منتج للمشتقات النفطية عالمياً، لكن الهجمات المتكررة على مصافيها أدت إلى تراجع قدراتها الإنتاجية، وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، استُهدفت المصافي الروسية بمعدل يقارب مصفاة واحدة كل ثلاثة أيام.وبحلول تموز، كانت روسيا قد فقدت نحو 30 بالمئة من قدرتها التكريرية للمشتقات النفطية، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ نحو عقدين.ومع تراجع الإنتاج، فرضت الحكومة الروسية قيوداً على صادرات الديزل، كما بدأت البلاد بإستيراد البنزين لتلبية احتياجات السوق المحلية. واشنطن تدرس تقييد صادرات المازوت بحسب الخبراء ، في الولايات المتحدة، تعمل المصافي بأكثر من 95 بالمئة من طاقاتها التشغيلية، في محاولة للاستفادة من قدراتها المرتفعة وتعزيز الإمدادات. لكن الإدارة الأميركية تدرس في المقابل احتمال حظر تصدير المازوت لمدة 90 يوماً، بهدف دعم المخزونات المحلية والمساعدة في خفض الأسعار داخل السوق الأميركية. وفي حال تطبيق هذا الإجراء، قد تتعرض الأسواق العالمية لمزيد من الضغط، إذ ستنخفض الكميات المتاحة للتصدير في وقت تعاني فيه السوق أصلاً من نقص في الإمدادات. أزمة المازوت الحالية لا تتعلق فقط بسعر برميل النفط الخام، بل بقدرة العالم على تكرير النفط وتحويله إلى مشتقات تلبي الطلب. ومع تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط وروسيا، واستمرار المخاطر التي تواجه المصافي، أصبحت قدرة التكرير عاملاً حاسماً في تحديد الأسعار. وتكمن خطورة شح المازوت في أن تأثيره لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة. فارتفاع كلفة الديزل يمكن أن ينتقل إلى النقل والشحن والزراعة والصناعة وإنتاج الكهرباء، ومن ثم إلى أسعار السلع والخدمات وكلفة المعيشة.وبذلك، تتحول أزمة المازوت من أزمة في سوق الطاقة إلى عامل ضغط محتمل على التضخم والنمو والقدرة الشرائية، فيما يبقى السؤال الأبرز: هل تتمكن المصافي العالمية من تعويض النقص في الإمدادات، أم أن الأسواق تتجه إلى مرحلة أطول من الشح وارتفاع الأسعار؟ شحّ المازوت عالمياً يقرع باب لبنان! لا تقف تداعيات أزمة المازوت العالمية عند حدود أسواق النفط الكبرى. فمع تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار، تتسع دائرة التأثير لتطال اقتصادات تعتمد بشكل كبي