بعد غدٍ، 1 سبتمبر، يكون قد مضى 106 أعوام على إعلان فرنسا في قصر الصنوبر إنشاء لبنان، بعد تصفية تركة الدولة العثمانية حسب اتفاقية سايكس - بيكو، ليضمّ جبل لبنان وبيروت وطرابلس وبعلبك والهرمل والجنوب، وسُميَ دولة لبنان الكبير، وليبدأ الاحتلال الفرنسي لثلاثة وعشرين عاماً، ولو اطلعت اليوم على سريرة معظم اللبنانيين لوجدتها كسريرة خيّو أكرم، يلعن اليوم الذي خرجت فيه فرنسا!كتبنا عن لبنان عشرات المقالات على مدى عشرين عاماً، لنكشف ما يحفّنا منه من مخاطر، فعلاقتنا معه غاية في الغرابة! فهو من بين أكثر الدول التي نالت منّا مساعدات وهِباتٍ تفوق المليار دولار تقريباً، وفي الوقت نفسه من أكثر الدول التي أضرنا أحد أحزابها بعمليات إرهابية منذ الثمانينيات حتى خلية العبدلي، وآخرها الخلايا الإرهابية خلال الحرب الإيرانية! وطبعاً نحن كدولة لا نتدخل بسياسات الدول العربية، ولكن في رأينا الشخصي يجب التدخل عندما تهدد تلك السياسات مصالحنا. هناك مليارات الدولارات كودائع لدعم بنوكها المركزية وقروض لتنفيذ مشاريعها، وبهذا المنطق كتبنا أخيراً نطالب بوقف مساعداتنا للدول العربية، لأسباب منها مواقفها المخزية من القصف والتهديد الإيراني، ولأننا صرنا أحوج إلى أموالنا لبناء منظومة دفاعنا واقتصادنا وبنيتنا التحتية! وعوداً إلى منطق ضرورة التدخل بالسياسات، رددنا في منتصف 2022 على مدير الصندوق الكويتي بمقال «الصندوق الكويتي والإرهاب وميشيل بيك»، حين قال «إن مساعدات الكويت لا ترتبط بفرض سياسات معيّنة»، واعتبرنا كلامه خطأً جسيماً، فالصندوق ليس جمعية خيرية، ويجب أن يكون ذراعاً للدبلوماسية والسياسة الخارجية الكويتية، ويشكّل ضغطاً على الدول المستفيدة، واقترحنا حظر تمويل الدول التي ارتكبت أعمالاً إرهابية ضدنا، وأولها لبنان بسبب «حزب الله»! فهدر أموالنا العامة فيه وصل إلى حد إعطائه منحة بثلاثين مليوناً لبناء متحف بيروت التاريخي! ذهب بعضها للإهراءات، مسخرةٌ وصلت إلى تصريح وزيرها (شخطة قلم)، الذي فضحته زلّة لسانه بادعائه معرفة ما يُخصص لهم من أموال! قرأنا منذ أسبوعين قانون العفو العام اللبناني، وكان إقراره صدمة لمعظم اللبنانيين، لغموض حدود الإفلات من العقوبات وأنواع الجرائم ومصير حقوق الضحايا، ومدى استفادة بعض زعماء الأحزاب!فالعفو تكرر في لبنان منذ 1958 مع الحروب والإضرابات السياسية، كالعفو الحالي، وكان المستفيدون الأوائل المجرمين السياسيين والتجار بأنواعهم، والخاسرين هم ضحايا الشعب اللبناني، وهذا ما جعل المواطن اللبناني لا يؤمن بالإصلاح السياسي، لأنّ همّه استعادة ودائعه المنهوبة في بعض البنوك، ولاعتقاده أن الرابحين من الإصلاح والعفو هم بعض زعماء الطبقة السياسية الذين صارت فضائحهم المالية والسياسية تتكشف، رغم ما يقوم به الرئيس جوزيف عون من إصلاحات تاريخية، بالتوقيع خلال يونيو الماضي على «الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل» للسلام واستعادة الأراضي المحتلة، والاتفاق غير المعلن بجعل الباب الخلفي موارباً للقضاء على حزب الله وسحب سلاحه، مما جعل المراقبين السياسيين والماليين المهنيين يؤيدون الرئيس ويأملون أن يمنحه اللبنانيون فرصة، فلا يمكن إصلاح النظام المالي الذي دمّرته الأحزاب لخمسين عاماً في يوم واحد.أما نحن، فلسنا مهتمين بما يفعله اللبنانيون في بلدهم، فهم أحرار ومسؤولون عن سياساتهم وتخلّيهم عن نصائحنا كدول صديقة، لذلك فليواجهوا نتائج قراراتهم، ولكن قبل أي مساعدة إضافية، عليهم تسديد أموالنا.***إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.