كرّست الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الشهيد السيد حسن نصرالله الفراق بين بعبدا والضاحية. لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي قابل للاحتواء، بل بدأ يأخذ أبعاداً شخصية. ويكاد الفراق يتحول إلى طلاق. ما كان ينقص المشهد، قرارات «المنع» التي صدرت عن رئيس الجمهورية، عبر أوساطه، على شكل نصائح، شملت بعض المسؤولين الأمنيين والعسكريين والسياسيين والموظفين، بعدم المشاركة في الذكرى. حاولت أوساط بعبدا تقديم القرار على أنه إجراء مرتبط بموقف الدولة وقرارات مجلس الوزراء، على اعتبار أن الحزب، في طابعه العسكري، بات مشمولاً بهذه القرارات، وأن مشاركة مسؤولين رسميين في احتفال يحمل مضموناً عسكرياً، سيظهر في خطاب الأمين العام للحزب، سيضع الدولة في موقع المتناقض مع قراراتها. تلك كانت الرواية الرسمية فقط. في خلفية المشهد قصة أخرى. قرر الحزب توجيه الدعوات إلى المدعوين الرسميين عبر مظاريف سلمها مكلّفين. اختار استثناء الرئيس جوزاف عون والتعامل معه كأنه غير موجود، مكتفياً بدعوة بعض المسؤولين الإداريين، إضافة إلى العسكريين والأمنيين. علم عون بما جرى، وعدّه إهانة وتجاهلاً لرأس الدولة، فأصدر تعميم المنع رداً على ذلك. هكذا، تحوّل مظروف لم يصل إلى بعبدا إلى أزمة سياسية. كان في إمكان الحزب أن يكون أكثر حنكة وألّا يمنح الرئيس ذريعة، ولا يفتح الباب على وجود تباينات داخله تفتح الباب للتأويلات. فإذا كان يريد حضور الدولة، فمن الصعب تفسير دعوة مسؤولين فيها وتجاهل رئيسها. وفي المقابل، يتحمّل الرئيس نفسه جزءاً أساسياً من المسؤولية. هو مطالب بالخروج من عقدة الشخصنة التي تطغى على بعض مقارباته منذ أن كان قائداً للجيش. وعدم تلقي دعوة لا يبرر تجاهل مناسبة بهذا الحجم بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، ولا شيء يفسر إمتناعه عن إصدار موقف كما يحصل في مناسبات مماثلة. فرئيس الجمهورية، بحكم موقعه، معني باحتواء الطوائف وبإدارة الخلافات معها لا باستفزازها ومخاصمتها وإستدعائها وتركها تستعديه! الأخطر أن المسألة لم تعد محصورة بحادثة الدعوة. ثمة من يتعامل داخل الدولة مع القرارات الحكومية وكأنها أقامت "حَرَماً سياسياً" حول الحزب، بحيث يصبح الاقتراب منه أو التواصل معه أو المشاركة في مناسبة تخصه فعلاً يستوجب التبرير. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان التواصل نفسه بات مشكلة، فما معنى الحديث الدائم عن الحوار؟ بعد الاحتفال وما رافقه من ردود فعل، حصلت تدخلات هدفها تطويق المشكلة ومنع توسعها. كان لافتاً أن بعض المسؤولين الأمنيين في الحزب استأنفوا اتصالاتهم بقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية الذين كانوا مدعوين إلى المناسبة ولم يحضروا. لكن وسط الضجيج الذي رافق الذكرى، مرّت إشارة سياسية أهم بكثير. كانت من المرات النادرة التي يعلن فيها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم موقفاً متقدماً لجهة القبول بمناقشة حصرية السلاح، وإن جاء ذلك مشروطاً بتحقيق تقدم في ملفات أساسية، في مقدمها الاحتلال الإسرائيلي والملفات المتصلة به. والأهم أنه رد مباشرة على دعوات الحوار، وآخرها تلك التي أطلقها النائب آلان عون من منبر قصر بعبدا، معلناً جهوزية الحزب للحوار، لكن بشرط التراجع عن القرارات المتخذة في 5 و 7 آب 2025 و 2 آذار 2026. عندما أطلق آلان عون دعوته، تعاملت بعض الأوساط معها على أنها رسالة من رئيس الجمهورية، وتحركت لإقناع الحزب بالتجاوب معها. لكن الحزب وضع شرطين: دعوة رسمية ومعلنة من رئيس الجمهورية، والتراجع عن القرارات التي يعتبرها متخذة ضد المقاومة. ولتثبيت المعادلة، ضمن قاسم في كلمته شروط الحزب وجعلها في التداول العلني، ما بات يصعب تجاوزها في أي حوار. قبل ذلك، كان الحزب قد أبلغ موقفه إلى المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، الذي تولى وساطة بين الحزب وبعبدا. طلب الحزب التراجع عن القرارات الحكومية المتخذة بحق المقاومة قبل الدخول في أي حوار. نقل شقير ما سمعه إلى قصر بعبدا. جاء الرد برفض ما اعتُبر "إملاءً للشروط". ثم جاء توقيع "اتفاق الإطار" أواخر حزيران الماضي، ليتوقف التواصل الرسمي. بقي الحزب ثابتاً عند الشروط التي سبق أن أعلنها، وبقي الرئيس ثابتاً عند موقفه، من دون قدرة أي منهما على تحقيق تقدم ملموس. في نطاق أوسع، دار نزاع أيضاً. فعون يريد أن يكون رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، مفاوضاً، إنطلاقاً من أنه عضو مجلس شورى ولديه هامش في إتخاذ القرار. أما الحزب فيرفض أن يختار الآخرون مفاوضه، أو أن يُفرض عليه اسم قبل حصول تقدم في أصل المشكلة. عملياً، نحن أمام طرفين يشتريان الوقت. رئيس يراهن على أن تفرض التطورات الداخلية والإقليمية مزيداً من الضغط على الحزب وتدفعه في النهاية إلى القبول بتسوية حول سلاحه. والحزب، يراهن على تطورات الإقليم وإيران وما يمكن أن تنتجه من تبدلات. ما يعقد أمور الحوار ولا يجعله