هل تقتصر الأهداف الأميركية في لبنان على نزع سلاح "حزب الله"، أم أن واشنطن تسعى إلى تغيير أعمق يطاول موقعه داخل الدولة وقدرته على التأثير في قراراتها؟ هذا السؤال يطرحه الكاتب إيلي القصيفي في مقال نشرته مجلة "المجلة" السعودية، ويقدّم فيه قراءة لمسار أميركي محتمل يجمع بين الضغط العسكري الإسرائيلي وتقليص نفوذ الحزب داخل المؤسسات، وصولاً إلى إنهاء قدرته على ممارسة وظيفة "الحزب الحاكم" في لبنان. وينطلق القصيفي من أن ما يرشح من مناخات السياسات الأميركية والتصريحات المتصلة بلبنان يوحي بمقاربة تتجاوز الملف العسكري. فالمطلوب، وفق قراءته، ليس سحب السلاح وحده، وإنما تجفيف نفوذ الحزب داخل الأجهزة العسكرية والأمنية والإدارة العامة، وتحييد شبكاته البشرية والسياسية بما يحدّ من قدرته على التأثير في مفاصل الدولة الأساسية. بهذا المعنى، يرى الكاتب أن واشنطن قد تكون أمام محاولة لإعادة تشكيل التوازنات داخل الدولة اللبنانية، وإخراج الحزب من المواقع التي راكم عبرها نفوذاً واسعاً خلال أكثر من عقدين. وهذه قراءة تحليلية لاتجاه السياسة الأميركية، وليست عرضاً لخطة رسمية معلنة. ويأتي هذا التوجه المحتمل، بحسب المقال، في وقت يبدو فيه مسار التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي، برعاية أميركية، عالقاً أو مؤجلاً إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. فمبدأ "الخطوة مقابل خطوة" لم ينجح، وفق القصيفي، في إنتاج عملية تفاوضية قابلة للاستمرار، ما يترك لبنان أمام واقع لا يشهد حرباً مفتوحة ولا تقدماً سياسياً حاسماً. وفي هذا الواقع، يعتبر الكاتب أن الأولوية الأميركية تبدو منع تحوّل الاستهداف الإسرائيلي للحزب إلى حرب شاملة، من دون أن يعني ذلك استعداد واشنطن لممارسة ضغط إضافي لوقف القصف وعمليات التجريف والتدمير. ووفق تحليله، يتيح هذا السقف لإسرائيل مواصلة ضرب البنية العسكرية للحزب، فيما تتجنب كلفة مواجهة واسعة، ولا سيما مع استمرار امتناعه عن الرد. ويربط القصيفي بين هذا الضغط العسكري وتوسيع المجال الجغرافي للاستهداف الإسرائيلي، معتبراً أن الضربات في إقليم التفاح وجبل الريحان قد تؤشر إلى التحضير لعمليات تستهدف تحييد مراكز الحزب في كامل الجنوب، بعد استهداف مواقعه في علي الطاهر. أما دعوة وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى ضم مناطق في جنوب لبنان وصولاً إلى الليطاني، فيقرأها الكاتب باعتبارها مؤشراً إلى وجود نزعة توسعية داخل اليمين الإسرائيلي. لكنه يميّز بين هذه الطموحات وبين الموقف الأميركي، إذ يرى أنها لا تحظى بالضرورة بغطاء كامل من واشنطن، حتى لو كان هامش الحركة العسكرية المتاح لإسرائيل يسمح بمواصلة الضغط على لبنان. وهنا تبرز، وفق المقال، معادلة تكامل بين الأدوات الأميركية والإسرائيلية: ضغط عسكري تمارسه إسرائيل على الحزب، وضغط سياسي ومؤسساتي تمارسه واشنطن على الدولة اللبنانية، لدفعها إلى تقليص قدرته على التأثير في قراراتها. ومن هذه الزاوية، يستحضر القصيفي تجربة اجتثاث حزب "البعث" في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، مع تشديده على الاختلاف الجذري بين السياقين. فلبنان لم يكن دولة الحزب الواحد على الطريقة العراقية أو السورية، لكن وجه المقارنة، بحسب الكاتب، يكمن في استهداف قدرة القوة المهيمنة على التحكم بمؤسسات الدولة. ولا يعني "اجتثاث حزب الله"، في هذا التصور، حلّه كتنظيم سياسي أو استئصاله من المجتمع اللبناني، بل تجريده من أدوات القوة التي أتاحت له فرض أجندته على الدولة. والنتيجة المحتملة هي بقاؤه طرفاً مشاركاً في السلطة، ضمن الصيغة اللبنانية القائمة على المحاصصة الطائفية، مع إنهاء قدرته على التحكم بالقرار السياسي والأمني. ويضع القصيفي هذه المقاربة ضمن تحول أوسع في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، يقوم على تخفيف الالتزامات العسكرية المباشرة، مع الاحتفاظ بالقدرة على التأثير من خلال الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية والتحالفات الإقليمية. وبحسب قراءته، لم يعد حجم الانتشار العسكري الأميركي وحده معياراً كافياً لقياس انخراط واشنطن، ما دامت قادرة على فرض كلفة على خصومها والتأثير في الحكومات والتوازنات الداخلية. وفي المقابل، تصبح حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية عنصراً أساسياً في هذه المعادلة. فالكاتب يرى أن القيمة الاستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل لا تتصل بالسيطرة على الأراضي وحدها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى أهداف في لبنان وسوريا وتنفيذ عمليات ساعة تشاء، من دون الانجرار بالضرورة إلى حرب شاملة. إلا أن هذا المسار يبقى مفتوحاً على أكثر من احتمال. فعدم إغلاق باب التفاوض مع إيران يترك، وفق القصيفي، مجالاً لتسوية إقليمية تشمل لبنان، وتجمع بين تغيير الوضع الأمني في الجنوب وتقليص الحضور العسكري للحزب هناك، وبين إعادة ترتيب التوازنات داخل السلطة بما يمنع عودته إلى موقع ا